سر صعب من أسرار الحضور المبهر
كنت أسمع عن شخص أنه قوي الحجة، ساطع البرهان، يعجز عنه الخصم، ويقرّ له المجادل، وشهر ذلك بين من حوله؛ فكنت أود لو ألقاه فأعرف كيف يهزم خصمه، ويبني حجته، لعلّي أقتبس منه طريقته، وأقتدي بأسلوبه. ثم لقيته في موقف يقتضي النقاش وتداول الآراء واتخاذ القرارات؛ فلم أر طائلا، ولم أر فرقا كبيرا بينه وبين من في مستواه في الأسلوب والاحتجاج، إلا أني رأيته لا يسابق أحدا إلى الكلام، ولا يقاطع متحدثا. يخوض الناس في الكلام وهو ساكت، ويرتفع اللغط وهو ساكن، حتى يستخرج كلٌ ما في جعبته، ويستنفذ كلٌ ما في وسعه، فيلتفتون إليه كأنهم قد جاعوا إلى كلامه، واحتاجوا إلى رأيه، فيتكلم بكلام يشبه كلامهم وربما أقل من كلام بعضهم، فيتحدث بهدوء وسكينة، كأنّ كل ذلك الجدل لم يستفزه ولم يرفع ضغطه
وإن قاطعه أحد سكت، ولم يتولّ تسكيته، حتى يكون الناس يسكتونه له، فعرفت أن هذا هو السرّ، وأن هذا الذي لا يقدر عليه كلّ أحد.
التعليقات
كما يُقال: "الصيت ولا الغنى" 😅
ربما هو شخص عادي للغاية لكن حضوره وطريقة تعامله هي ما ميزته، خصوصًا أن الناس اعتادت عند المناقشة والخلاف على الصوت العالي والمقاطعة والشجار الذي قد يتحول أحيانًا لضرب! ورأينا ذلك من قبل حتى ببرامج التليفزيون وبين أشخاص من المفترض أنهم مثقفين أو لهم وزنهم في المجتمع.
الصمت عندما يقاطعنا أحدهم قد يكون أفلح مع ذلك الشخص، لكن مع شخص آخر قد يُفسر على أنه ضعف، أو يأخذ الطرف الآخر منه وقته وفرصته في الحديث.
أعجبني حقاً أسلوبه، فهو متقن جداً لفن الحوار الراقي، بغض النظر عن مدى معلوماته أو حجته، ولكنه يعلم جيداً كيف يتحدث وبأي شيء ينطق ومتى يتوقف عن الكلام، أعتقد اننا بحاجه لأن نتعلم هذا الأسلوب في النقاشات عموماً.
إلا أني رأيته لا يسابق أحدا إلى الكلام، ولا يقاطع متحدثا. يخوض الناس في الكلام وهو ساكت، ويرتفع اللغط وهو ساكن
ولكن علي العكس من ذلك اري الكثير من المجادلين اشتهروا وعلا نجمهم بسبب شهرتهم بقص الجبهات والسلوك الاستفزازي ، أعتقد أن إعجابك بإسلوبه يعود لذوقك الشخصي
لا شك أن للذوق الشخصي دور في ذلك، والأذواق الشخصية مستويات، فمن يعجبه الأسلوب الاستفزازي وقص الجبهات يحكم على الأسلوب الحكيم بالضعف والجهل.
وأنا لم يعجبني كلامه - مع أن مدح الناس كان لكلامه - بل أعجبني أسلوبه، حيث يكون شديد التركيز، مجتمع الحواس، يعرف ما يقول. وعرفت أنه أسلوب لا يقدر عليه أكثر المتحدثين