ما الذي يبقى فينا بعد كل هذا العبور

نعيش أعمارنا ونحن نركض خلف أشياء كثيرة ظنا منا أنها ستمنحنا معنى أو طمأنينة أو اعترافا لا ينتهي لكننا نصل غالبا مرهقين أكثر مما كنا ونكتشف متأخرين أن أغلب ما سعينا إليه لم يكن ضروريا بقدر ما كان ضجيجا تعلمنا منذ وقت مبكر أن نتماسك وأن نبدو أقوياء وأن نخفي ارتباكنا خلف كلمات جاهزة وابتسامات مدروسة حتى أصبح الصدق عبئا والهدوء تهمة والتعب شيئا يجب إنكاره لا فهمه

في هذا المجتمع لا يُكافأ الإنسان لأنه صادق بل لأنه صامد ولا يُحتفى به لأنه إنساني بل لأنه قادر على التحمل أكثر من غيره هكذا نكبر ونحن نضغط على أرواحنا ونؤجل ذواتنا ونقنع أنفسنا أن ما نشعر به يمكن تجاهله إلى أن يتحول التجاهل إلى أسلوب حياة وإلى فجوة داخلية لا يراها أحد

لكن الحقيقة البسيطة التي لا نحب سماعها هي أن الإنسان لا يخسر حين يتوقف قليلا بل يخسر حين يواصل دون وعي وحين يعيش بما يُتوقع منه لا بما يحتاجه وحين ينجح في أعين الآخرين ويفشل في مصالحة نفسه إن ما يصنع الفرق حقا ليس عدد الإنجازات ولا كثرة الكلام بل القدرة على أن نكون حاضرين بصدق وأن نختار إنسانيتنا حتى في عالم يطالبنا بالقسوة

نحن لا نحتاج إلى أن نكون أقوى بقدر ما نحتاج أن نكون أصدق مع أنفسنا ومع غيرنا وأن نتذكر أن كل شخص نقابله يحمل قصة لم تُحكَ بعد وأن أبسط أشكال الوعي هو أن لا نضيف ثقلا جديدا على من أثقلته الحياة بالفعل ربما لا نستطيع تغيير العالم لكننا نستطيع أن نغيّر الطريقة التي نوجد بها داخله وهذا وحده كاف ليصنع أثرا أعمق مما نتخيل

السؤال

إذا كان كل هذا العبور لا يترك فينا سوى ما وعيناه بصدق فماذا نريد حقا أن يبقى منا

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أختلف معك جزئيا ليس لأن الصدق أو الحضور غير مهمين بل لأن العالم أحيانا لا يتيح رفاهية التوقف. هناك من يواصل لا لأنه غافل بل لأنه مضطر. ومع ذلك يبقى كلامك تذكير ضروري بأن الاستمرار بلا وعي قد يحول الإنسان إلى آلة. فكيف نوازن بين ضرورة الصمود ومتعة الوعي دون أن نخسر أحدهما؟

kjhj أضف ردا

قليل منا بل قليل جداً يا هيبا من يُفلت من إسار المجتمع وتوقعاته وتطلعات الآخرين إلينا بإنجاز أشياء كما يحددونها هم لا نحن. المشكلة أن معظمنا يحسب أن التقدير الإجتماعي و التماهي مع أعرافه هو النجاح كل النجاح فينسى نفسه وتطلعاتها ويعيش أحلامهم وإنجازاتهم فيلغي نفسه فيصل في آخر المطاف وكأنه ما عاش ولا نجح ولا أنجز وكأنه غريب عن نفسه! هذا سببه أن ذواتنا الإجتماعية تهمنا أكثر وتشغل بالنا أكثر مما تشغلنا ذاتنا كما نريدها ونراها نحن. الحل برأيي هو ان نخلو بأنفسنا كثيرًا ونسأللها بصدق ماذا نريد من أنفسنا ومن حياتنا ومن الناس. لا يصح أن يطغى جانب على جانب ولكن الموازنة و الوسط هو خير ما يمكن التوصل إليه.

فعلا كلماتك تلامس جوهر الإشكال بدقة وهدوء وتكشف مأزقًا نعيشه دون أن ننتبه له كثيرًا. نعم أكثر ما يستنزف الإنسان أن يعيش بعين الآخرين لا بعينه وأن يقيس نجاحه بما يُصفق له لا بما يمنحه معنى داخليًا خطير أن نصبح ماهرين في إرضاء المجتمع بينما نفشل في الإصغاء لأنفسنا فنكسب الاعتراف الخارجي ونخسر الشعور بالانتماء لذواتنا. الخلوة الصادقة مع النفس ليست انسحابًا من المجتمع بل عودة إلى البوصلة حتى لا نضيع بين التوقعات والضغوط والموازنة التي ذكرتها هي الوعي الحقيقي أن نحيا مع الناس دون أن نذوب فيهم وأن نحقق ذواتنا دون أن نعادي محيطنا. فحين نعرف ما نريد بصدق يصبح التقدير الاجتماعي نتيجة لا غاية ونصبح أقرب لأن نعيش حياة نشعر أنها حياتنا فعلًا لا نسخة عنها.

الطموح والركض خلف الأشياء هو ما يبني الحضارات...

لو اكتفى كل إنسان بالهدوء والصدق مع نفسه، لما رأينا ناطحات سحاب ولا تطورًا..

السعي أو الركض هو شر لابد منه.

ربما، لكن المعضلة هي في الثمن. حين يخطئ الإنسان في الإجابة عن سؤال أيهما أهم: "أنا أم الشيء الذي أريد تحقيقه؟"

إذا كان الثمن الذي سيدفعه الشخص هو خسارة نفسه فالمعادلة خاسرة.

لكن هذا الركض أصبح جنوني وغير إنساني، أنه محاولة للتشبه بالإله في قوته وسلطوته وقدرته، وهذا ما جعلنا منهكين متعبين مستنزفين من كل النواحي، فكرة بنا ءالحضارة لا تعني احراق الذات والخروج عن عباءة الإنسانية والتحول إلى أشباح وآلات بلا روح، وهذا ما أحاول أن أسترجعه في نفسي على الأقل مؤخرا، لأن هذا الوضع إذا استمر لابد أن يوصلنا إلى أماكن لا توحد عقباها.

raghd_agaafar أضف ردا

المهم أن يضع الإنسان لنفسه حدًا، كما السيارة لها فرامل تمنعها من الاصطدام أو الانزلاق،

هذا الحد ممكن يكون متمثل في علامات، إذا رآها الشخص في نفسه، يتوقف عندها، وربما خفف سرعته، أو سار بدلًا من أن يركض..

ومن الجيد أن حدودنا ستختلف، من إنسان لآخر.. حدك مثلًا ليس كحدي، قد تتحملين أنتِ أكثر أو العكس.

roh_alhayat80 أضف ردا

كلماتك صحيحة من حيث المبدأ عزيزتي رغدة فالسعي هو الذي حرّك التاريخ وبنى المدن وغيّر شكل العالم لكن الخلل لا يكمن في الركض ذاته بل في الاتجاه الذي نركض نحوه وفي ما نتركه يسقط منا ونحن نلهث الحضارات لم تُبنَ فقط بالأجساد المتعبة بل بعقول تعرف متى تتقدم ومتى تتوقف ومتى تراجع حساباتها السعي يصبح خطرًا حين يتحول الإنسان فيه إلى أداة لتحقيق الشيء لا غاية بحد ذاته وحين يُختصر النجاح في النتيجة لا في الأثر الذي يتركه في النفس الثمن الذي يُدفع مهم نعم لأن الإنجاز الذي يطلب منك أن تتخلى عن ذاتك أو تنكر حقيقتك قد يضيف رقما إلى العالم لكنه يخصم إنسانا من داخلك والمعادلة المتوازنة ليست أنا أو الشيء بل أنا مع ما أحققه دون أن أفقد نفسي في الطريق فالحضارة التي تُبنى على أنقاض الإنسان من الداخل تلمع من الخارج لكنها تبقى هشة في جوهرها