حين صرخ العقل في غرفة مغلقة بالعاطفة

ساعةً حائطية، دقيقة، صبورة، لا أعمل إلا بالحساب. بجانبي مروحة، صوتها عالٍ، تتحرك بلا هدف واضح، كلما هبّت نسمات العاطفة، دارت معها. وفي حوار كنت أضنه موضوعيا، اشتد النقاش بيننا. قلت لها: "الوقت لا ينتظر المشاعر، والعالم لا يتوقف لأنكِ تشعرين بالضيق." ردّت، وهي تدور بشراسة: "أنت باردة، لا تشعرين، لا تفهمين ما يعنيه أن تتقلّب داخليًا."

حاولت أن أوضح ما أقصده أكثر…  بأنني ضبط كل شيء، بالتوقيت، بالدقة، بالمنطق في غاية الأهمية... وقبل أن أكمل حديثي انهالت علي بالقول: ومن قال إن الناس تريد الدقة؟ هم يريدون من يفهمهم، لا من يحاسبهم." حاولت أن أشرح، بالأرقام، أن أوضح بالسبب، أن أبسط بالتدرّج. لكن الهواء كان يعلو… وصوتها يغلب صوتي. أدركت حينها… أنني في معركة خاسرة. ليس لأنها تفوقني منطقًا… بل لأنها اختارت ألا تسمع. اختارت المزاج… وأغلقت باب الفهم بإرادتها. بقيتُ أعدّ الثواني وحدي… بينما يدور الكل في دوامة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

وجدت في النص صورة رمزية دقيقة بين من يقيس الحياة بالمنطق وبين من يعيشها بالمشاعر وهذا الصراع موجود فعلًا في علاقات كثيرة سواء بين شخصين أو حتى داخل نفس الشخص أحيانًا المشكلة أن العقل يتهم دائمًا بالبرود مع أنه يحاول فقط أن يرتب الفوضى والمشاعر تترك لتقود المشهد حتى لو لم تكن دائمًا على حق في النهاية لا أحد ينتصر فعليًا لأن التواصل انقطع وكل طرف ظل في دائرته الخاصة

نعم، العقل - ونقصد هنا التفكير المنطقي- لا يحاول السيطرة، بل فقط ترتيب الفوضى… لكنه يُتهم بالبرود لأنه لا يتبع نهج المشاعر، والأخيرة رغم دفئها، قد تقطع الطريق إذا رفضت الإصغاء. في النهاية، كما قلتِ، لا أحد ينتصر… فقط صمتٌ متبادل، وسوء فهم متراكم، وكل طرف يزداد اقترابًا من نفسه… وابتعادًا عن الآخر.

لا أرى مساحة للربح بين العاطفة والمنطق، فأغلب القرارات منطقيةً أساسها عاطفي أو دفاعي عقلي بطريقة أو بأخرى، ولذا، الحرب بينهما لا داع لها، ولكن أنا أتفق معك أن الاندفاعية -وليس العاطفية تحديدًا- تدل على غياب النضج في بعض المواقف، ولكن كونك صاحب قصتك، من تراه يكسب: الساعة؟؟

نعم كاما أوضحت حضرتك، لا يوجد فاصل حاد بين العاطفة والمنطق، فحتى أكثر القرارات العقلانية تنبع من دافع شعوري في الأصل، سواء كان رغبة في الأمان، الكرامة، أو حتى الخوف من الفشل. أما عن سؤالك... في القصة، لا أرى فائزًا واضحًا.

الساعة لم تتوصل لطريقة للاقناع، والمروحة لم تحاول حتى أن تَفهم. لكن إن كنتُ مضطرًا للاختيار، فأظن أن الخسارة كانت مشتركة، لا لقصور في أحد الطرفين، بل لأن الحوار توقف قبل أن يُثمر. ولربما وجود طرف ثالث حيادي كان سيكون الخيار الأفضل.

فكرة تجسيد الساعة كرمز للدقة والنظام، بينما المروحة تمثل العاطفة والحركة المتقلبة، تأخذني إلى عالم يمتزج فيه المنطق بالشغف بطريقة مدهشة. أحببت كيف تصف الساعة التزامها بالتوقيت والحساب، كأنها الحارس الأمين للوقت، بينما المروحة ترد بحماسة تدافع عن حاجة الناس للتفهم بدلاً من الحساب الدقيق. هذا الحوار يرسم صورة حية تجعلني أتخيل التوتر بينهما، كأن الهواء يزداد سخونة مع دوران المروحة! النص يجعلني أفكر في كيف تتصارع أحيانًا رغبتنا في النظام مع اندفاعنا العاطفي، وكيف أن كليهما جزء من حياتنا. إنه يشبه دعوة خفيفة للتأمل في توازننا اليومي، بينما أبتسم لفكرة ساعة وحيدة تعد الثواني ومروحة تدور بحري.

وصفك دقيق للساعة بـأنها الحارس الأمين للوقت، والمروحة بـالتي تدور بحريّة، وكأن بينهما رقصة مستمرة بين الانضباط والانفلات، بين النظام والتلقائية نعم، النص كان محاولة لتجسيد هذا التوتر اليومي الذي نعيشه جميعًا، بين ما يجب فعله وما نشعر به، بين الرغبة في احتواء الحياة وبين الحاجة لفهمها. ما يجعلنا نتسائل: هل نحاول دومًا التوفيق بين الساعة والمروحة داخلنا؟ أم أننا نبدّل الأدوار حسب الموقف، مرة نعدّ الثواني... ومرة ندور مع الريح؟

لا يمكن للعاطفة والمنطق أن يسمعا بعضهما إذا تدخل الوقت بينهما، الوقت متلاعب محترف، يقن حرفته القديمة في الغواية والخوف والملل ، العاطفة لا تعرف الوقت، أنها تريد أن تمتلكه ثم تمسحه حتى تصبح حرة طليقة، أما المنطق فهو يفهم الوقت، يتريث، ويقرأ الوقت بدقة ونتظره بوعي، لا يريده أن يسرع ولا أن يتخلف، وهذا ما تكرره العاطفة، أنها تريد وقتها الخاص خارج المنطق والعقل.

فعلاً، العاطفة تريد أن تتحرر من قيود الزمن، بينما المنطق لا يتحرك إلا ضمن حدوده. وهنا جوهر الخلاف، أحدهما يريد أن يعيش اللحظة، والآخر لا يتحرك دون توقيت مناسب.