غالبًا ما تكون أعظم القصص والتجارب الأدبية هي تلك التي ينقلها إلينا الكاتب من تجربته بوصف دقيق. ولكن هذا ليس شرطًا أبدًا. فالإنسان، والكاتب بصفة خاصة، يستطيع أن يفهم الشعور حتى لو لم يحسَّ به. لكن الفرق أنه لن يستطيع إيصاله بأفضل شكل، عكس من عاش التجربة؛ لأنه قد يدرك كيف تكون وأهم مراحل ذلك الشعور، ولكنه لم يشعُر، فلا يستطيع نقله بأفضل طريقة. وهذا هو الفرق.
فمثلاً، لو أتينا بكاتب محترف - يمكن القول إنه أكثر مهارة من ألبير كامو - ولكنه لم يعش تجربة العبث من قبل، ذلك الكاتب قد يستطيع الكتابة عن العبث، لكن دائمًا سترى في كتابته شيئًا ناقصًا. ومهما كانت احترافية، من الصعب أن تصل لمستوى أعمال ألبير كامو الذي عاش العبث في كل يوم من حياته، وذلك في رواية "الغريب" خاصة. فكامو ليس الأمهر لغويًا، وليس الأدق في الوصف، ولم يكتب شخصيات عظيمة وأحداثًا وحبكةً متقنة، ولكن من الصعب أن تتفوق عليه في العبث رغم ذلك، حتى لو كنتَ أمهرَ منه في باقي المجالات.
والأمر ينطبق على كل الكتّاب. فكلنا نستطيع الكتابة عن أي تجربة، لكن لن نستطيع إيصال معناها بنفس الشكل.
وهذا ليس لأنه مجرد مجرم، فكم من مجرم لا يجذب الانتباه، ولكن بسبب الإتقان النفسي والكتابي في هذه الشخصية تحديدًا، حيث أعجب الناس بصراعه النفسي والتوتر القائم حول الشخصية. ولكن مهما بلغ إعجاب الناس بها، فالأمر لا يبرر أفعال الشخصية، وهو قتل العجوز وأختها. وسبب تركيز الكاتب على شخصية راسكولينيكوف لأن الشخصية كانت مرآة عاكسة لتساؤلات دوستويفسكي ومعضلته الأخلاقية. كما أنه أيضًا اعتمد على خبرته في التعامل مع المجرمين والقتلة لتحليل الدوافع النفسية للقاتل بدلاً من الضحية. إضافة إلى أن الجريمة وفلسفة راسكولينيكوف لم تكن من إنتاج دوستويفسكي بالكامل، بل اقتبسها من قصة مجرم فرنسي مشهور في ذلك الوقت. كما أن دوستويفسكي تبنى أدب الصراع لا أدب الضحية، ففي هذه الحالة تخيل أن القصة تتمحور حول العجوز، فلن يكون هناك تحليل أو هدم فلسفي لفكرة التفوق الفلسفية، لأن المرأة ماتت وبموتها انتهت مشاعرها معها، ولكن راسكولينيكوف مازال حيًا، فمشاعره وفكره مازال موجودًا، فيمكننا هنا تحليله وتحليل دوافع المجرم، وحتى من جهة منطقية بحتة، تحليل أفكار ودوافع المجرم أهم بكثير من تحليل مشاعر الضحية، فعندما نفهم مشاعر المجرم يمكننا منعه من ارتكاب الجريمة، ولكن عندما نشعر بألم الضحية لا يمكننا منع الجريمة، فالضحية ستُقتل في كل الحالات. ونقطتك في النهاية حول أن القارئ يخرج بشفقة تجاه القاتل، فهذا خطأ القارئ نفسه الذي لم يفهم مغزى الرواية، ولا يمكن للكاتب التحكم في كيفية فهم كل قارئ لكتاباته.