الله والنبوة

الله والنبوة

من أكثر القضايا التي غيرت وجه التاريخ هي وجود الديانات، من الهندوسية إلى الديانات الإبراهيمية، حيث شكلت وجه العالم عبر الصراعات الدينية والقبلية، من الفتوحات الإسلامية إلى الحروب الصليبية التي أدت إلى تطورات مختلفة. فكان النقاش غالباً حول هذه الديانات هو: هل الله موجود أم لا؟ فلم تكن معرفة مصداقية النبوة ذات أهمية إذا كان الله غير موجود، لذا لم يبد الكثيرون اهتماماً بدراسة تاريخ الأنبياء والرسل عبر التاريخ إذا كانوا في طريقهم للبحث عن الحقيقة.

رغم الفوضوية والانفعالية في هذا العالم، إلا أنك لن تستطيع نفي وجود الإله، لأنه لا يتدخل بحكمته في كل ما يخص البشر. فإننا لا نراه ولكن يمكننا الشعور بتأثيره. فكل شيء موجود اليوم له سبب، والعالم موجود إذاً له سبب غير مسبب ألا وهو الإله. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع لأنه ليس ما أبغي نقاشه، بل ما أبغيه من هذه الكلمات هو معرفة مصداقية النبوة، حيث إن وجود إله لا يعني بالضرورة أنه أرسل أنبياء أو رسلاً أو مبشرين أو أي تسمية شملت هذا الاسم. فالإله كائن كامل كلي المعرفة والقوة، فهو لا يحتاج لأناس ناقصين يعبدونه، كما أنه يعرف الطبيعة البشرية الضعيفة التي تتمثل في عدم القدرة على المقاومة. والذي سيكون رد المؤمنين بالدين عليه أن ذلك من أجل اختبارنا، فمن الواضح أن الإله لا يحتاجنا فلماذا يختبرنا لدخول جنة أو نار وهو يعلم أننا أضعف من أن نقاوم؟

لذا فأرى أن للوجود هدفاً أسمى من أن نعبد بشكل أعمى، فلن يخلق الإله كل هذا الكون لنعبده فقط. فالدينانات التي نراها اليوم غالباً هي مجرد تصورات بشرية للإله، وهذا ما يؤكد وجود الإله لأننا استطعنا تخيل وجوده، لذا فهو موجود.

بالنسبة للانتقادات فهي غالباً ستتركز في نقطتين أساسيتين:

إذا لم يكن السبب من وجودنا هو العبادة، فلماذا وجدنا إذاً؟

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بشكل دقيق بسبب عدم قدرة عقلنا الناقص على التفكير في أمر كامل، ولكن من الواضح أنه هدف أسمى من العبادة. فعبادتك لا تعني أنك شخص جيد، بل أنت إنسان خائف. لذا فالإله لن يكون هدفه هو أن نقدسه بشكل أعمى، بل أن نختبر ولكن بطريقة مختلفة وطريقة أسمى من الجنة والنار، ولا يمكنني التحديد على وجه الدقة لأنه كما قلت لا يمكن للعقل الناقص التفكير فيما هو كامل.

ما الذي ينفي أن كل الرسل والأنبياء وغيرهم كانوا من عند الإله؟

باختصار، لأنه من غير المنطقي أساساً أن يخلقنا لنعبده فقط، وإن اعتبرنا ذلك فلن يعتمد على أي بشر لتلقين رسالته، لأنه فضّل بضعة من البشر على غيرهم، وهذا قمة الظلم. وحتى لو عاش هؤلاء البشر الذين فضّلهم طوال حياتهم، فلا يمنع أنه دخل في حيز الظلم لأنهم أصبحوا متيقنين بالفعل من كل شيء، وهذا سيسهل عليهم معرفة الحق عكس غيرهم. كما أن من عاشوا في زمانهم هم من سيتأكدون من وجود الإله بسهولة أكبر لأنهم عاصروا هؤلاء الأنبياء ومعجزاتهم مثلاً. فالمؤمنون يرون أن إرسال الرسل كان رحمة للبشر لأن العقل لا يمكن أن يدرك كل ما يجب فعله، لذا فهم جسر بين فهمنا الناقص والحقيقة المطلقة. ولكن هذا غير منطقي فالإله الكامل لديه القدرة لايجاد حلول لا متناهية لإيصال ما يريده منا دون وسيط بشري. فالوسيط البشري مهما كان صالحاً وتوفرت فيه كل الصفات فسيبقى مصدر نزاع كحقيقة لا يمكن التأكد منها.

وقد رأى سبينوزا أن الإله لا يتدخل في الطبيعة لأنه هو ذاته نظامها الكامل، وهذا ما يجعل النبوة فكرة بشرية أكثر منها إلهية.

أعلم أنني لم أستطع أن أغطي كل المعلومات الواجب تغطيتها لتجنب الالتباس، ولكنني اعتبر ما كتبته مجرد بداية في محاولة أكبر، في محاولة لا تنتهي لفهم هذه الطبيعة. فبرغم عدم فهمنا لسبب وجودنا، فبحثنا عن المعنى وحده هو ما يمنحه معنى، وربما هو ما يبحث عنه الإله الحقيقي.


التعليق السابق

قبل أن أرد على أخي خالد، فإنك اتخذت الإيمان كمرجع في ردك، وهو أمر مبرر تماماً من جهتك. ولكن في حوار مع مشكك في الدين، فإن الإيمان لا يمكننا استخدامه كمرجع، بل علينا استخدام العقل والحجة المنطقية. وهذا بالطبع لا يدل على عدم إيمانك أو ضعف الدين، لأن نظرتك لن تتغير، بل لاكتساب أكبر فائدة لكلينا. المهم، يتمثل ردي في هذه النقاط:

نعم أخي وأنا لا أختلف معك قط في هذا بل هو عين ما أقوله. فقضية القضايا او القضية الكبرى او المعضلة التي أعضلت عقول المفكرين عبر التاريخ هو الإجابة على سؤال: لماذا وُجدنا عوض ألا نوجد؟! لماذا هناك وجود أصلاً عوض العدم؟ أو ما الذي رجح كفة وجودنا فجعلها ترجح كفة عدمنا؟! ما الذي رجع كفة الوجود من الأساس على كفة العدم؟! بالطبع تلك أسئلة محيرة لا جواب عليها مقنع في في حكمة الحكماء أو فلسفات الفلاسفة دون اللجوء إلى الجواب الديني الذي يمليه الوحي علينا. أسئلة العلة الغائية يا أخي لن يتسنى لنا الجواب على أي سؤال واحد منها وحتى لو جاوبنا لن نقتنع لأننا بكل بساطة لم نوجد أنفسنا بل جيئ بنا إلى هذا الوجود ولا نعرف لماذا إلا ممن أتى بنا. أما من ذكرت من فلاسفة فكلهم انحرفوا نحو الإلحاد و العدمية وكأن وجودنا وعدمنا سواء وهذا ما لا أقبله كتفسير وإلا فأوضح لي أنت ماذا قالوا في مذاهبهم!

يمكن الإجابة على هذا الادعاء بمنظور علمي بحت، ألا وهو أن الظروف في كوكبنا كانت ملائمة تماماً لوجود حياة. ولكن لا تنسَ أنني أومن بالإله، فتفسير الوجود من جهة أخرى هو خلق الإله لنا. ولكن مشكلتي مع الديانات والفرق بينهما كبير.

إضافة إلى أن ما قلته عن انحراف جميع الفلاسفة المذكورين نحو العدمية أو الإلحاد فهو نوع من التبسيط، بالرغم من أنه يحتوي على جزء من الصحة. فهؤلاء الفلاسفة لم ينكروا معنى الوجود بل أعادوا تعريفه خارج الإطار الديني، حيث رأى ألبير كامو في الهدوء والحياة البسيطة دون تمرد أو طاعة عمياء سبيلاً لمواجهة عبثية الحياة. وغيرهم لم يروا أن وجود الإنسان كعدمه، بل رأوا معنى للحياة.

وهل يعيش الإنسان بلا دين؟! يعني الماركسية التي تدعي ما تقوله هي دين عند أصحابها أو معتقد وفكرة يؤمن بها أصحابها وقد تحكم أصحاب المذهب الماركسي في الشعوب فالإلحاد كان ديناً لها ولمعتنقيها. ما أريد ان أقوله أن الدين يؤخذ كآداة كما قالوا أنه أفيون الشعوب فليس خطأ الدين ولكن خطأ من استغل الدين كمن يتسغل الرأسمالية و الإشتراكية ويضحك على الناس ويوهمهم بحلم المساواة المطلقة وهو أصلاً كانوا يتاجرون باحلام الناس وأمانيهم في العدالة و المساواة. ثم لو اتفقنا مع تلك الماركسية والنتشوية فما بديل هذه الإجابات الني يقدما الدين؟ الناس تسأل هذا السؤال الضخم فما جوابهم عنه؟! لماذا نحن هنا؟ هل لنأكل ونشرب ونتكاثر ونفنى وهكذا فقط لا غير؟! الدين في الحقيقة جاء ليحرر الإنسان من ضيق نظرته المادية لحياته وللامور في العموم ليوسعها لتتسع حياته وتصبح نظرته أعمق وأرحب فتتسع لملكوت السموات فضلاً عن واقعية ومادية الأرض.

أولاً، السياسة والدين وُجدا لجعل مجموعة كبيرة من الناس تخضع لمجموعة صغيرة من الناس، وطبعاً ليست كل الديانات معنية، ولكن في الغالب لهذا، فمن الطبيعي أن تجد الرأسمالية والاشتراكية تسحر عقول الناس، لأن هذا هدفها أساساً السيطرة. كما أن نظريات مثل الماركسية لم تطبق يوماً كما كُتبت تماماً، بل جرت لها تغييرات حسب التاريخ، ما يدل على مرونة وقدرة على التكيف، عكس الدين الذي من المفروض حسب كلام متدينيه أنه لم يتغير أبداً. ولكن هذه النقطة في كل الأحوال لا تهمني كثيراً. وأيضاً ليس الدين وحده من جعل الإنسان يوسع تفكيره، فالبشر لم ينتظروا وجود الدين ليفكروا بالطريقة التي نزل بها، بدءاً من أرسطو الذي تمرد على مجتمعه ولم يكن تفكيره، وبعده تلاميذه من أفلاطون وأرسطو الذين هم أيضاً لم يفكروا في الماديات، والقائمة تطول من مفكري العرب والأوروبيين وغيرهم.

هذا مجرد اجتهاد من متدينين على هذا السؤال المحير ولكن الجواب معروف وهو: وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون..... وأنا لا أجاوبك خارج الدين لأني ببساطة لا أعرف وأظن أني لن أعرف ما حييت. ثم ما رأيك في النبوات؟ هل مكر القدماء كما يقول شاعر في سورة من سورات طبعه؟
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما ............. دياناتكم مكرٌ من القدماء؟
أرادو بها جمع الحطام فأدركو .......... وبادوت وماتت سنة اللؤماء؟
هل هذا ما تريد قوله؟!

ردك قائم على اعتبار أن الدين بالفعل صحيح ومؤكد، بينما الحوار بدأ بسبب التشكيك في الدين، لذا فهو رد دائري يغلق كل وسيلة منطقية للنقاش.

هل سألتهم أم شققت عن قلوبهم؟ أم معك استبيان في جوابهم؟!

هذه مغالطة الاتهام الشخصي، فهو ليس رداً قائماً على المنطق والفلسفة، بقدر ما هو رد يقوم على العاطفة، فهو لا يقدم أي حلول.

وهناك مقولة فلسفية تنسب للفيلسوف الألماني لايبنتز: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". بمعنى أنه نعم هناك حلول لا متناهية، وهذا هو أبدعهم وقد كان.
وإجابتي على تعليقك الأخير هي أن كل ديانة كانت موقوتة بوقتها ومعجزتها حسية يشهدها كل من عاصر النبي، أما حجة القرآن فهي عقلية جامعة لكل الحجج، وهي لذلك حجة على من وصلته كاملة.

بصراحة لا أجد أي جواب، فلم تجب على سؤالي الذي هو أن هناك ظلم، حيث أن الناس الذين عاصروا الأنبياء ومعجزاتهم، التدين بالنسبة لهم أسهل منا بكثير، لأنهم كانوا شاهدين على الحدث، بينما نحن تم نقله لنا. بينما إجابتك كانت تركز على حجة القرآن المنطقية، ولكن هذا لا يزيل أن هناك نوعاً من الظلم، لأن الناس قديماً عاصروا الاثنان: القرآن والحدث.

kjhj أضف ردا

نعم لا يصح أن أسشتهد بالدين على صحة الدين وإلا درنا حول أنفسنا ولكن طالما ولله الحمد أن وجود الإله حق في نظرك ما الذي يُحيل رسالة ورسل وأنبياء؟!

يمكن الإجابة على هذا الادعاء بمنظور علمي بحت، ألا وهو أن الظروف في كوكبنا كانت ملائمة تماماً لوجود حياة. ولكن لا تنسَ أنني أومن بالإله، فتفسير الوجود من جهة أخرى هو خلق الإله لنا. ولكن مشكلتي مع الديانات والفرق بينهما كبير.

هناك ظروف حرجة قياسية غاية في الدقة و الإنضباط لو اختلت قيد أنملة لما كانت هناك حياة فهل يفسر الحياة إلا الإله؟ ثم أنت مؤمن بالوجود الإلهي ومشكلتك مع الديانات

فهؤلاء الفلاسفة لم ينكروا معنى الوجود بل أعادوا تعريفه خارج الإطار الديني، حيث رأى ألبير كامو في الهدوء والحياة البسيطة دون تمرد أو طاعة عمياء سبيلاً لمواجهة عبثية الحياة. وغيرهم لم يروا أن وجود الإنسان كعدمه، بل رأوا معنى للحياة.

أي معنى يُغني الإنسان الذي ولد ليموت ولينعدم كانه ما كان؟! لا عزاء لنا إلا في وجود معنى يصيغه لنا من أتى بنا. حتى عالم ألبير كامو كما وصفه في رواية سيزيف عالم محايد لا أخلاقي يعني أسطورة سيزيف لعلك تعرفها وهو نصف إله مغضوب عليه يصعد بحجر حتى إذا ووصل إلى قمة الجبل تدحرج منه إلى القاع وهكذا حكم عليه إلى الأبد بهذا العمل! يقول كاموس فيما فهمت أنا علينا أن نصنع المعنى بأنفسنا من اللا معنى ولكن أي معنى وأي أخلاق وقيم في عالم محايد تماما الشيئ فيه وعدمه سيان؟! يقول نجيب محفوظ وهو الحائز على نوبل الذي ظل يتشكك في رواياته كثيرا ويتبنى فلسفات كامو وسارتر: الله هو الذي يعطي للقيم معناها، الله هو الذي يعطي للوجود معناه، بدونه لا معني للوجود، لا معني للقيم، وبديله هو العبث، اللا معني.

فالبشر لم ينتظروا وجود الدين ليفكروا بالطريقة التي نزل بها، بدءاً من أرسطو الذي تمرد على مجتمعه ولم يكن تفكيره، وبعده تلاميذه من أفلاطون وأرسطو الذين هم أيضاً لم يفكروا في الماديات، والقائمة تطول من مفكري العرب والأوروبيين وغيرهم.

وهل يعجبك أو يقنع عقلك مقاربة أرسطو للإله؟! هل يقنعك إله أرسطو المتعالي في برجه العاجي الأناني الذي لا شغل له إلا تعقل ذاته السامية وقد حرك الكون كما يحرك العاشق معشوقه؟ الكون عند أرسطو أزلي وكذلط الإله إزلي! كيف يجتمعان برايك وأي منطق هذا؟! فجاء الدين ليصحح أفكار البشر عن الإله ويعرفهم ما هو مطلوب منهم ليقتربوا أكثر واكثر...

ردك قائم على اعتبار أن الدين بالفعل صحيح ومؤكد، بينما الحوار بدأ بسبب التشكيك في الدين، لذا فهو رد دائري يغلق كل وسيلة منطقية للنقاش.

برأيك كيف ترى نشاة الإسلام؟ هل نشاة معقولة منطقية أم منتحلة مدعاة لغرض ما؟

بصراحة لا أجد أي جواب، فلم تجب على سؤالي الذي هو أن هناك ظلم، حيث أن الناس الذين عاصروا الأنبياء ومعجزاتهم، التدين بالنسبة لهم أسهل منا بكثير، لأنهم كانوا شاهدين على الحدث، بينما نحن تم نقله لنا. بينما إجابتك كانت تركز على حجة القرآن المنطقية، ولكن هذا لا يزيل أن هناك نوعاً من الظلم، لأن الناس قديماً عاصروا الاثنان: القرآن والحدث.

أحيلك هنا إلى رد الصديق @mam_7 في نقاطه التسع

وجود الإله لا يعني صحة النبوة، لأن الإله - حسب استنتاجي من البحث - أن الحالة الأكثر منطقية أن يكون قد خلق العالم وتركه دون أن يتدخل. فبهذا المنظور، الديانات كلها خاطئة. ولكن قد أغير هذا الاستنتاج بالطبع إذا وجدت حجة أقوى.

هناك ظروف حرجة قياسية غاية في الدقة و الإنضباط لو اختلت قيد أنملة لما كانت هناك حياة فهل يفسر الحياة إلا الإله؟ ثم أنت مؤمن بالوجود الإلهي ومشكلتك مع الديانات

نعم بالضبط! عند قولي "من منظور علمي بحت" فأنا لا أومن به تماماً، بل أومن بأن الإله نظم الكون بحيث لا تكون فوضى عارمة في كل مكان ثم تركه. أي أنه ضبط المعايير الدقيقة للجاذبية والأحجام وغيرها، لأنها لو لم تكن مضبوطة لما تكوّن الكون أساساً.

أي معنى يُغني الإنسان الذي ولد ليموت ولينعدم كانه ما كان؟! لا عزاء لنا إلا في وجود معنى يصيغه لنا من أتى بنا. حتى عالم ألبير كامو كما وصفه في رواية سيزيف عالم محايد لا أخلاقي يعني أسطورة سيزيف لعلك تعرفها وهو نصف إله مغضوب عليه يصعد بحجر حتى إذا ووصل إلى قمة الجبل تدحرج منه إلى القاع وهكذا حكم عليه إلى الأبد بهذا العمل! يقول كاموس فيما فهمت أنا علينا أن نصنع المعنى بأنفسنا من اللا معنى ولكن أي معنى وأي أخلاق وقيم في عالم محايد تماما الشيئ فيه وعدمه سيان؟! يقول نجيب محفوظ وهو الحائز على نوبل الذي ظل يتشكك في رواياته كثيرا ويتبنى فلسفات كامو وسارتر: الله هو الذي يعطي للقيم معناها، الله هو الذي يعطي للوجود معناه، بدونه لا معني للوجود، لا معني للقيم، وبديله هو العبث، اللا معني.

فكرة كامو قائمة على أن الإنسان خاف من مواجهة عبث الحياة، لذا قام بابتكار الديانات كإجابات جاهزة على شكوكه، بينما هو رأى أن بالعيش فقط يكتسب نوعاً من القيمة ولا يحتاج إلى أي شيء آخر، فقط مقاومة العبث وعدم الخوف من مواجهته. كما أن قولك: "أي معنى يُغني الإنسان الذي ولد ليموت ولينعدم كانه ما كان؟!" - هناك وجهات نظر كثيرة في هذا الموضوع، ومن أبرزها أن هدفنا من إيجاد المعنى هو ألا نعيش في ضياع تام. وهناك من قالوا إن السبب هو لحظة الموت، فعدم امتلاكنا معنى بمقاييسنا الخاصة سيجعل كل حياتنا في تلك اللحظة وكأننا لم نعشها. بل هناك من رأى أن العدم بعد الموت محفز للحياة، لأنك ستعيش مرة واحدة ويجب أن تجرب كل شيء في هذه الحياة. المهم أن نظرة كل شخص للأمر تختلف، وهذا يعني أن سؤالك كان مقبولاً والكثير وجدوا له إجابة من منظومتهم الفكرية الخاصة. وأيضاً أنا أومن بوجود الإله ولكنني لا أعلم ما يوجد بعد الموت، لذا لا يمكنني أن أنفي ولا أؤكد مقولة نجيب محفوظ.

وهل يعجبك أو يقنع عقلك مقاربة أرسطو للإله؟! هل يقنعك إله أرسطو المتعالي في برجه العاجي الأناني الذي لا شغل له إلا تعقل ذاته السامية وقد حرك الكون كما يحرك العاشق معشوقه؟ الكون عند أرسطو أزلي وكذلط الإله إزلي! كيف يجتمعان برايك وأي منطق هذا؟! فجاء الدين ليصحح أفكار البشر عن الإله ويعرفهم ما هو مطلوب منهم ليقتربوا أكثر واكثر...

أول شيء، لم يكن قصدي أرسطو بل سقراط، لأن أرسطو جاء بعد سقراط - وهذا لمنع الالتباس فقط. أيضاً، لم أقارب أرسطو أو سقراط أو أي مفكر بالإله، بل قلت إن التفكير البشري استطاع التأقلم والخروج من الحيز المادي دون ديانة، وهذا ما ظهر في الحضارة الإغريقية التي كانت تشتمل على الديانات القديمة فقط. وأيضاً هذا لا يقلل من الإله، لأنه - كما قلت حسب وجهة نظري - أنه لا يتدخل في الأمور البشرية. فالكرة هي أن تفكر كما تريد، ولكن لا يعني أن فكرتك صحيحة. وبالنسبة لوظيفة الدين كمصحح للأخطاء، فهو لا يؤكد صحة الدين، فربما كان افتراضاً بشرياً صيغ في شكل كتاب سماوي ومجموعة من القواعد.

برأيك كيف ترى نشاة الإسلام؟ هل نشاة معقولة منطقية أم منتحلة مدعاة لغرض ما؟

هي معقولة ومنطقية، ولكن - كما قلت - فهو لا يؤكد صحة النبوة، حيث إنني لا أعتمد على دين الإسلام في حد ذاته لاستخراج نقائصه وغيرها من الطرق، بل أقيس الدين بشكل تجريدي منطقي مع البحث في كل الأديان كي لا أقع في الالتباس.

أحيلك هنا إلى رد الصديق @mam_7 في نقاطه التسع

بالنسبة لرد الأخ محمد، فإنني تناقشت معه حول رده ونقاطه التسعة، والنقاش بيننا ما زال حتى الآن. ولدي سؤال لك: لماذا ترى أن الدين أو النبوة حقيقة مطلقة؟

وجود الإله لا يعني صحة النبوة، لأن الإله - حسب استنتاجي من البحث - أن الحالة الأكثر منطقية أن يكون قد خلق العالم وتركه دون أن يتدخل. فبهذا المنظور، الديانات كلها خاطئة. ولكن قد أغير هذا الاستنتاج بالطبع إذا وجدت حجة أقوى.

يا أخي كل ما تمر به من أفكار مررنا بها قبلك واهتدينا ولله الحمد. تلك الفكرة قديمة جدًا ويشبهون الله كصانع الساعات clock Maker الذي صنع ساعته وضبطها وتركها تعمل دون أن يتدخل ولكن حتى الساعة في التشبيه كنا نتدخل ونضبطها لأنها كانت تؤخر أحياناً. الله خلق العالم ولا يديره وغير عابئ به وغير مهتم به أصلاً.

هذه الأفكار يا أخي فداء لن تجد عليها جواباً شافياً في الفلسفات ولكن تجدها في القرآن. صدقني هذا حقيقي مائة بالمائة. ولكن حاول أن تقرأ بعقلك وبقلبك. يعني قوله سبحانه: أفحسبتم أنما خللقناكم عبثا وأنكم ألينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق.... يعني تعالى الله عن هذا العبث وتنزه أن يخلق شيئا ويتركه هملا!

ثم أنني لم أجد مسوغًا لقيام الديانات إلا أن يكون الله قد بعث الرسل حقًا ولنا في دعوة الإسلام خير دليل. فمجرد أن تسود امة راعية غنم العالم في عشرات السنين وتسود دعوتهم معناه أن هذا دين حق ونبي حق... ليس هناك من تفسير مادي أرضي واقعي يقول لنا كيف قامت الدعوة و سادت الأرض وجعلت من رعاة غنم سادة الدنيا في سنين معدودة! إلا أن يكون صدق النبوة وصدق الدعوة وتأييد الخالق سبحانه.

فكرة كامو قائمة على أن الإنسان خاف من مواجهة عبث الحياة، لذا قام بابتكار الديانات كإجابات جاهزة على شكوكه، بينما هو رأى أن بالعيش فقط يكتسب نوعاً من القيمة ولا يحتاج إلى أي شيء آخر، فقط مقاومة العبث وعدم الخوف من مواجهته. كما أن قولك: "أي معنى يُغني الإنسان الذي ولد ليموت ولينعدم كانه ما كان؟!" - هناك وجهات نظر كثيرة في هذا الموضوع، ومن أبرزها أن هدفنا من إيجاد المعنى هو ألا نعيش في ضياع تام. وهناك من قالوا إن السبب هو لحظة الموت، فعدم امتلاكنا معنى بمقاييسنا الخاصة سيجعل كل حياتنا في تلك اللحظة وكأننا لم نعشها. بل هناك من رأى أن العدم بعد الموت محفز للحياة، لأنك ستعيش مرة واحدة ويجب أن تجرب كل شيء في هذه الحياة. المهم أن نظرة كل شخص للأمر تختلف، وهذا يعني أن سؤالك كان مقبولاً والكثير وجدوا له إجابة من منظومتهم الفكرية الخاصة. وأيضاً أنا أومن بوجود الإله ولكنني لا أعلم ما يوجد بعد الموت، لذا لا يمكنني أن أنفي ولا أؤكد مقولة نجيب محفوظ.

كل هذه تنظيرات وتخمينات لأناس مثلي ومثلك فلا تسلم لهم عقلك فليس هم أولى بعقلك منك انت بعقلك! ماذا لو جاء وحي وقال: سأريحكم من جواب تلك الأسئلة الكبرى وأعطيكم تلميحات عما سيصير وما هو صائر وما بعد الموت؟ هل نرفض تلك الدعوى ولا ندرسها ونأخذها مأخذ الجد كما قال تعالى: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون؟!