12

كتابة الشخص عن تجارب لم يمر بها

نحن بعد التجارب غير قبلها، التجارب تعلمنا أشياء ربما لم نتعلمها من قبل ولم نكن نعرف عنها شيئًا أو ندرك ما هي، كما قد تحفر بداخلنا مشاعر لم نختبرها ولم نحسها من قبل حتى لو كنا سمعنا عنها، فمن سمع عن الحب غير الذي شعر بلوعته. أيضًا تزيد التجارب من خبرتنا في الحياة وتجعل لدينا فكرة عن الكثير من الناس والشخصيات والأشياء، فمن تعرض للقسوة والخيانة ليس أبدًا كمن عاش مرفهًا أو من لم يتعرض للخداع يومًا.

وبما أن الكتابة هي نقل خبرات أو رسم عالم بالكامل من خلال الأوراق، فكيف يمكن للكاتب الذي لم يمر بتجربة معينة أن يكتب عنها أو يجعل شخصياته تتحدث بلسان حال صاحب تلك التجربة وهو لم يختبرها بنفسه؟


غالبًا ما تكون أعظم القصص والتجارب الأدبية هي تلك التي ينقلها إلينا الكاتب من تجربته بوصف دقيق. ولكن هذا ليس شرطًا أبدًا. فالإنسان، والكاتب بصفة خاصة، يستطيع أن يفهم الشعور حتى لو لم يحسَّ به. لكن الفرق أنه لن يستطيع إيصاله بأفضل شكل، عكس من عاش التجربة؛ لأنه قد يدرك كيف تكون وأهم مراحل ذلك الشعور، ولكنه لم يشعُر، فلا يستطيع نقله بأفضل طريقة. وهذا هو الفرق.

فمثلاً، لو أتينا بكاتب محترف - يمكن القول إنه أكثر مهارة من ألبير كامو - ولكنه لم يعش تجربة العبث من قبل، ذلك الكاتب قد يستطيع الكتابة عن العبث، لكن دائمًا سترى في كتابته شيئًا ناقصًا. ومهما كانت احترافية، من الصعب أن تصل لمستوى أعمال ألبير كامو الذي عاش العبث في كل يوم من حياته، وذلك في رواية "الغريب" خاصة. فكامو ليس الأمهر لغويًا، وليس الأدق في الوصف، ولم يكتب شخصيات عظيمة وأحداثًا وحبكةً متقنة، ولكن من الصعب أن تتفوق عليه في العبث رغم ذلك، حتى لو كنتَ أمهرَ منه في باقي المجالات.

والأمر ينطبق على كل الكتّاب. فكلنا نستطيع الكتابة عن أي تجربة، لكن لن نستطيع إيصال معناها بنفس الشكل.