الرقمنة : هل هي تطور مستدام أم تحول لنموذج هش؟

  • akramt

في الآونة الأخيرة انتشرت في كل أنحاء العالم فكرة الرقمنة لكل القطاعات والتحول لنموذج رقمي كامل في ادارة الدولة ولكن التساؤل المطروح هل ذلك مفيد على المدى الطويل؟ أو بالتحديد ماتأثير ذلك على استقرار الدول الداخلي؟ وكيف قد يؤدي تحكم الخوارزميات على القرارات الى تسبب بكارثة ؟

قبل أن ننتقل للسلبيات علينا أن نعرف أهم الفوائد المسوق لها:

يُروج للرقمنة الشاملة على أنها الحل السحري لإنهاء البيروقراطية وتقليل الفساد البشري وتسريع وتيرة الإنتاج.

الفكرة جذابة في ظاهرها: كاحدى الشعارات "دولة تعمل كالساعة، ببيانات دقيقة وقرارات فورية".

هذا النموذج يوهمنا بالسيطرة الكاملة، لكنه في الحقيقة ينقل السيطرة من يد الإرادة البشرية إلى يد المنطق البرمجي الذي صممه بشر آخرون.

ولكن الرقمنة هي رغما قوته التي تشبه واقع بديل الا أنه هش وأي أزمة ستسقطه بسهولة ولنأخذ على سبيل المثال العملات الرقمية والأنظمة المالية المؤتمتة بالكامل ,في حال حدوث انهيار مفاجئ أو هجوم سيبراني، تصبح الدولة مشلولة تماماً.

الخوارزميات التي تدير الأسواق لا تملك حساً وطنياً أو اجتماعياً؛ فهي مبرمجة على الهروب أو الإغلاق عند استشعار الخطر، مما قد يؤدي إلى تبخر مدخرات الشعوب في ثوانٍ دون قدرة أي مسؤول بشري على التدخل لإيقاف النزيف الرقمي، لأن القرار ببساطة لم يعد بيده

ونفس الشيء على بقية القطاعات ولدي مثال واقعي بسيط لحادث حدث قبل مدة ألا وهو كارثة طائرات (بوينج 737 ماكس)، كان هناك نظام خوارزمي يسمى (MCAS) صُمم ليتحكم في توازن الطائرة تلقائياً, بسبب بيانات خاطئة من مستشعر واحد، اعتقدت الخوارزمية أن الطائرة ترتفع بشكل حاد، فاتخذت قراراً آلياً بدفع مقدمة الطائرة نحو الأسفل. والمأساة الحقيقية لم تكن في الخطأ التقني فحسب، بل في سيطرة الآلة؛ حيث حاول الطيارون يائسين استعادة التحكم اليدوي ورفع الطائرة، لكن الخوارزمية كانت تعيد دفعها للأسفل في كل مرة حتى انتهى الأمر بالتحطم ومقتل المئات.

ومن أكثر الاحتمالات الكارثية للتأمل في خطورة تفويض القرار الوجودي للآلة عبر استحضار ذاكرة الحرب الباردة.

في عام 1983، أعطت أنظمة الإنذار المبكر السوفيتية إشارة باختراق صواريخ نووية أمريكية للمجال الجوي. كان "البروتوكول الرقمي" يقتضي الرد الفوري بضربة مضادة تقضي على نصف الكوكب.

ولكن العقيد السوفيتي ستانيسلاف بيتروف لم يتبع الخوارزمية. بحدسه البشري ومراقبته للسياق، قرر أن النظام مخطئ وتجاهل الإنذار، ليتبين لاحقاً أنه كان مجرد خلل تقني ناتج عن انعكاس ضوء الشمس.

ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه.. لو أن ذلك في عصر الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي المستقل، حيث لا مكان لقرار البشر، هل كانت الآلة ستتوقف لتفكر؟ أم أنها كانت ستنفذ الكارثة بدقة تقنية متناهية؟

في النهاية... هل نحن بصدد بناء مجتمع أكثر كفاءة، أم أننا نسلم مفاتيح وجودنا لسجان لا يملك قلباً ولا يفهم معنى الاستثناء؟ وماهو الحل في رأيك؟ وهل ترى أنه هناك قطاع معين يجب عدم رقمنته؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الثقة التامة في الآلة خيار لا يجب أن يكون على طاولة أي دولة فيها عقلاء لأن الآلة يمكن كما أنت تتحكم بها أن يخترقها غيرك ويتحكم بها لصالحه، كما أنها معرضة للعطب ولعامل الخطأ، وبالطبع ليس لديها لا عقل ولا ضمير لتراجع نفسها كالبشر، والأمثلة التي قمت أنت بضربها في المساهمة خير دليل على ذلك.

George_Nabelyoun أضف ردا

أنا أرى الفرق ضئيل جداً لأننا نعتمد على الآلات على كل حال، ففي مثال الصواريخ يكفي أن الآلات أعطت إنذار بوجود هجوم، ولو كان الأمر في ظروف مختلفة كحالة توتر سياسية كان أكثر البشر اتزاناً سيعطي قرار بالقصف المضاد كذلك، لا نستطيع الاستغناء عن الآلة فهي تحرك قرارنا بطريقة أو بأخرى.

بالعكس الرقمنة لا تجعل الدول ضعيفة كثير من الأزمات حدثت بسبب قرارات بشرية خاطئة وليس بسبب أنظمة آلية. الخوارزميات تعمل حسب قواعد محددة ويمكننا تعديلها وتحسينها إذا ظهر فيها خلل. في وقت جائحة كورونا مثلاً الدول التي كانت تعتمد على أنظمة رقمية استطاعت تسجيل الحالات بسرعة، وتنظيم المستشفيات، وصرف المساعدات للناس بسهولة لكن تعطلت دول أخرى بسبب الإجراءات الورقية البطيئة. أعتقد إذا بقي الإنسان مشرف على القرارات المهمةستكون مصدر قوة وتنظيم وليس خطر.

أتفق معك في فكرة أنها مفيدة ولكن يتطلب الأمر ضمان توازن وعدم الافراط في الاعتماد عليها وترك القرار الأخير للبشر وترك احتياط دائم للأزمات, فالدول التي كانت تعتمد على الأنظمة الرقمية كانت كفؤة ولكن في حال تعطل الأنظمة ستشل بالكامل بينما الأخرى كانت غير كفؤة ولكن محمية فالأمر ليس بالغاء احدهم لأجل الآخر انما بالموازنة بينهم .

اعتقد الامر في تطور مستمر الان. أصبح لكل خلل حل. ما نراه اليوم كانت الناس من 10 سنوات ايضاً ضده وتراه غير عملى، بعض الوقت وسنغير نظرتنا للرقمنة أكثر من السابق

ههه طبعا تقبل الواقع لازم والا هتصير مجنون أو متخلف في زمننا... ولكن لايعني التغيير في النظرة مستقبلا أنه لايجب حفاظ على أمن واستقرار كافي من ذلك التحول.

الرقمنة بها فوائد جمة، ففي دول كثيرة يمكن بيع عقارات وتسجيل ملكيات بدون طوابير ولا ذهاب لمصلحة حكومية بل من خلال الهاتف.

كذلك تحويل الأموال ودفع الفواتير، ومؤخراً تحرير محاضر الشرطة ومتابعة القضايا واستخراج أوراق رسمية، كل ذلك من مزايا الرقمنة.

لكن المشكلة أنه لو تعرض النظام لمشكلة إلكترونية قد تضيع حقوق أو تتخرب هوية أفراد، فعلى الأقل أيام النظام الورقي كان هناك وثائق رسمية في حوزتنا نثبت بها ملكيتنا وهويتنا وأموالنا.

بالضبط هذه المشكلة تحديدا ولو كان عطل بسيط فليس مشكلة خطيرة ولكن لو كان شامل قد يؤدي لشلل كامل للدولة خصوصا لو كانت تعتمد عليه بدرجة كبيرة..

يوجد حاليا دراسة لتطوير نظام يسمح بوجود احتياطي بيانات للتحقق حيث النظام مخصص فقط لضمان اثباتية في البيانات المعروضة ولكن لايعد حل جذري للمشكلة فحتى هو قابل للعطل..

الا أن الورق يعد شيء أساسي على الأقل كاحتياط مستقبلا ومن رؤيتي قد يكون أنه لكل بيانات رسمية في الانترنت يتم توفير لدى جهتها في الدولة ورقة يثبتها محفوظة للطوارئ ومع زيادة أهمية البيانات مستقبلا يعد صمام أمان للدولة.

لكن وجود الورق أمر مكلف، فهكذا سيكون موجود ملايين الأوراق ومخازن لحفظها وموظفين لأرشفتها وطباعتها، الفكرة من الرقمنة هي التخلص من الأعباء الورقية وتكاليفها.

ولكن أي أزمة قد تؤدي لشلل الدولة الموضوع هنا أمن قومي قبل أن يكون اقتصادي والمفيد والمهم في الرقمنة هو زيادة الكفاءة والسرعة وليس تقليل تكاليف قد تنقذ البلد من خطر ..