في سباق محموم نحو الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا، يبدو أن المبادئ الأخلاقية لم تعد أولوية لدى الشركات التقنية. فكل ما من شأنه أن يُغذّي الخوارزميات ويمنحها المزيد من الفهم يُعتبر مُباحًا، حتى لو جاء على حساب خصوصية الأفراد أو ملكيتهم الفكرية. أحدث الأمثلة على ذلك ما تم الكشف عنه مؤخرًا في قضية ضد شركة Anthropic، المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي Claude، والتي تفيد بأنها قامت بشراء ملايين النسخ الورقية من الكتب ثم مزّقتها، ومسحتها ضوئيًا من أجل استخدامها في تدريب نموذجها اللغوي.
الواقعة ليست مجرد انتهاك لحقوق النشر، بل تمثل قفزًا فوق رمزية الكتاب نفسه. ففي نظر الكثير من القراء والمبدعين، تمزيق كتاب لاستخدامه كوقود لتدريب آلة لا يعكس فقط احتقارًا للمنتج الثقافي، بل يؤكد أن كل شيء قابل للتضحية من أجل خوارزميات أكثر ذكاء.
ولا تتوقف الانتهاكات عند الكتب فقط. بل أصبح من المألوف أن نجد كبرى الشركات تجمع بيانات المستخدمين من المنصات الرقمية، مثل المنشورات والمراجعات والتعليقات وحتى الرسائل أحيانًا، من أجل تحسين أداء نماذجها. وما يزيد من حدة المشكلة أن هذه الشركات لا تعلن بشكل واضح عن هذا الاستخدام، بل تعتبره ضمنيًا جزءًا من شروط الاستخدام التي لا يقرأها أحد.
الأخطر من ذلك أن المحتوى البشري، سواء كان أدبيًا أو فنيًا أو تعليميًا، يتم استخدامه مرارًا وتكرارًا لتغذية النماذج، دون وجود مردود عادل للمبدعين الذين أنتجوا هذا المحتوى في المقام الأول. فالمبرمج الذي كتب شيفرةً تعليمية على منتدى، أو الكاتبة التي نشرت مقالًا ثقافيًا، أو الفنان الذي شارك عمله على إنستغرام... كلهم أصبحوا مصادر خام تُستنزف دون علمهم أو موافقتهم.
فهل تجاوز الضوابط الأخلاقية في التعامل مع الابداع والمبدعين ثمن مقبول في سبيل تطوير الذكاء الاصطناعي؟