مقدمة

تتكرر في القرآن الكريم صفة جليلة ارتبطت بخيرة عباد الله، قال تعالى عن مريم عليها السلام:

{وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}

وقال مخاطبًا أمهات المؤمنين:

{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}

وقال في صفات أهل الإيمان:

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ}

فمن هم القانتون الذين مدحهم الله في مواضع متعددة؟ وما حقيقة القنوت الذي رفعهم إلى هذا المقام؟

أولًا: المعنى اللغوي والشرعي للقنوت

القنوت في اللغة: الطاعة مع الخضوع، وطول القيام، والسكوت مع التذلل.

وفي الاصطلاح الشرعي: دوام الطاعة لله مع خشوع القلب وانقياده.

فليس القنوت مجرد عمل ظاهر، بل هو اجتماع أمرين:

  • طاعة بالجوارح
  • وخضوع بالقلب

ولهذا كان القانت أعمق من مجرد عابد، وأصدق من مجرد قائم أو صائم.

ثانيًا: نماذج القنوت في القرآن

حين وصف الله مريم عليها السلام بقوله:

{وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}

لم يمدحها بكثرة عمل فحسب، بل بثباتها على الطاعة، وانقيادها لأمر الله دون تردد، حتى في أشد الابتلاءات.

وحين قال:

{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}

ربط القنوت بالطاعة لله ولرسوله ﷺ، أي الطاعة التي تنبع من تسليم داخلي، لا من مجاملة أو عادة.

ثم جمع الله القانتين مع الصابرين والصادقين، مما يدل أن القنوت مقام جامع:

فلا يكون المرء قانتًا حتى:

  • يصدق في إيمانه
  • ويصبر على تكاليف الطاعة
  • ويستمر عليها دون انقطاع

ثالثًا: صفات القانتين

من تأمل الآيات وجد أن القانتين يتصفون بـ:

  1. الدوام على الطاعة
  2. ليست طاعتهم موسمية، بل ثابتة في الرخاء والشدة.
  3. الخشوع والانكسار
  4. لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يعيشون بين الخوف والرجاء.
  5. الاستجابة السريعة لأمر الله
  6. لا يؤخرون الطاعة حتى تهدأ أهواؤهم، بل يقدمون أمر الله على رغباتهم.
  7. قيام الليل ومناجاة الله
  8. فكثير من المفسرين ربطوا القنوت بطول القيام بين يدي الله.

رابعًا: القنوت… حال قلب قبل أن يكون حركة جسد

قد يطيل الإنسان القيام في الصلاة، لكنه لا يكون قانتًا إن خلا قلبه من الخضوع.

وقد تكون امرأة في بيتها، أو رجل في عمله، لكن قلبه قائم بين يدي الله، مراقبًا، منيبًا، مستسلمًا — فهذا من القانتين.

فالقنوت ليس لحظة دعاء في الوتر فقط، بل هو حالة حياة.

خاتمة

القانتون هم الذين أطاعوا الله بقلوب خاشعة وجوارح منقادة،

فاستحقوا أن يُذكروا في القرآن في سياق المدح والثناء.

هو مقام:

  • طاعة بلا تردد
  • وخضوع بلا تكلف
  • وثبات بلا انقطاع

فليست القضية أن نُكثر العمل فقط، بل أن نكون من القانتين…

الذين إذا أُمروا أطاعوا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا ذُكر الله خضعت قلوبهم.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده القانتين، وأن يرزقنا طاعةً دائمةً وقلبًا خاشعًا

اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك.