أيّ سرٍّ هذا يجعلُ الناسَ يتفجّرون خدمةً من غير وعد؟!
أيُّ نداءٍ غيرُ مسموع هذا، يُزلزلُ في القلوب مكامنَ الطمأنينة، ويدفعُ الفقراء لأن يقتسموا اللقمةَ مع غرباء، لا يسألونهم اسمًا، ولا يسألهم أحد عن سببِ هذا الجُود المُذهل؟
ما إن يقترب الموعد من العشرين من صَفر، حتى يُصاب هذا البلد بحمى الحب، فينهضُ اهلوهُ كما المجانين، ينصّبون المواكب، ويشحذون السكاكين، ويغلون القدور، ويرفعون الرايات، وكأن الحسين سيمرّ بعد لحظة...
مشهدٌ لا يُشبه شيئًا على الأرض.
في الطرقات التي تربط المدن بكربلاء، تتحوّل الأرصفة إلى أضرحة حب، والخيم إلى اوطان صغيرة، وكل وجهٍ عابس يصير فجأةً باسمًا...
كأن أبي عبد الله قد لامس وجوههم....
الدهشة لا تأتي من كثرة المواكب، بل من نوعية النفوس التي تقيمها...
ترى رجلًا كهلاً يبيع طعامًا طيلة العام ليعيش، فإذا حلّ موسم الأربعين، أغلق باب رزقه وفتح باب قلبه...
وتسمع "اتفضل يزاير" على كلِّ شيء
ما هذا الذي يحدث هنا؟
أفي زمن الفوضى والحروب، ينبثق هذا النظام العاطفي النبيل؟
أي منطقٍ يحكم هذه الفوضى العاشقة؟
ليس في العالم أجمع تنظيمٌ يضاهي هذا الانبعاث العفوي، الذي لا تمليه دولة، ولا تنفذه حكومة، بل تقوده قلوبٌ ملهوفة، تُريد أن تمسح عن التاريخ شيئًا من وجعه...
يا لهذا الشعب، كيف لا ينسى الحسين؟
وكيف يُعيده كلّ عامٍ لا كذكرى، بل كحياةٍ متجددة، وكأن استشهاده حدث البارحة؟
من أين له هذا الوفاء؟
من أيّ عمقٍ يستخرج كلّ هذا العطاء؟
ومع أن المسير لم يبدأ بعد في مدينتي، إلّا أن الطريق امتلأ بالخدم، بالماء، بالعطور، بالحنان، وكأن الأرواح سبقت الأجساد...
الرايات سُقيت من عرق العاشقين، والمواكب سُقيت من دمع المحبين.
إنها ليست خدمة، بل تطهُّر.
ليست طعامًا فقط، بل صلاة.
ليست مناسبة، بل هويّة.
حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن قسم الشعائر والمواكب الحسينية في العتبتين المقدّستين، فإن عدد المواكب المسجَّلة داخل العراق وخارجه لخدمة الزائرين في أربعين الإمام الحسين بلغ ما يفوق 14,000 موكبًا...
يا حسين، لقد خلقت فينا ما لم تخلقهِ الفلاسفة، ولا الكتب.
علّمتنا أن نُحب من لا نعرف، وأن نخدم من لا ننتظر منه جزاءً، وأن نسير من دون مبررٍ سوى أنك هناك…
وهذا وحده يكفي....