في ظهيرة عرفة، حين كانت الشمس تميل على جبل الرحمة، وحين كانت أفواج الحجيج واقفة بقلوبها المرتجفة تدعوا الله في الزحام، وقف الحسين. لم يكن واحدًا من الواقفين فحسب، بل كان واقفًا من نوعٍ آخر، كأن الأرض تفهم لغته، وكأن الهواء يتنفس دعاءه، وكأن الوجود كله ينصت.

بدأ بالدعاء، لكن شيئًا ما في الدعاء لم يكن كالدعاء. لم يكن التوسل استجداء، بل كان اعترافًا حارًا بجميلٍ لا يُحصى، بوجودٍ لا يُفهم، بحضورٍ يتخلّل كلّ شيء. كان صوته يخرج وفيه نبرة من رأى، من عرف، من خَبِر الله...

قال: "إلهي، أنا الفقير في غناي..."، وتوقفت اللحظة. من هذا الذي يقول إنه فقيرٌ حتى في غناه؟ ومن هذا الذي يرى في ذاته شبح احتياج حتى حين يُظَنّ أنه مكتفٍ؟

وكان في دعائه تكرار، لكنه لم يكن لغرض التأكيد فقط، بل كان كمن يقرع بابًا لا يُفتح إلا إن دُقّ عليه بألف نبضة، بألف "إلهي"...

ثم، حين تقرأ هذا الدعاء، وتُغلق عينيك، تصطخب فيكَ الأماكن...هل أنتَ على عرفات أم في كربلاء..

إن الذي يقول لله في عرفات: "أنت كما أحبّ"، هو نفسه الذي يقول في كربلاء: "هيّنٌ عليّ ما نزل بي أنه بعين الله".

عرفات لم تكن فصلًا من فصول الحجّ للحسين، بل كانت مقامًا، تدريبًا، عروجًا....

فكربلاء ليست بعد عرفات، بل من عرفات. ليست قرارًا سياسيًا، بل انبثاق روحيّ. يوم عرفة كان لحظة الفهم، ويوم عاشوراء كان لحظة الترجمة. من عرفَ الله في السكون، استطاع أن يشهد له في القتال. من ذاق التوحيد في الدعاء، استطاع أن يكتب بيانه الأخير بالدم....

والقارئ لدعاء الحسين، إن أنصت، سيشعر أن كل جملة هي استعداد للاستشهاد. كلّ عبارة هي تمرين على الموت. لا الموت نكوصًا، بل الموت ارتفاعًا. الحسين لا يهرب من الحياة، بل يصعد منها. هو لا يتركها لأنه كارهٌ لها، بل لأنه وجد فوقها ما هو أحقّ بالهوى.

وفي نهاية الدعاء، حين تخفت الكلمات، لا تخفت الروح. بل تشتدّ، وتنفصل عن ذاتها، وتذوب في ذلك الـ "أنت"، الذي ما فتئ يتردد طوال الدعاء. لم تعد "أنا" موجودة، ولا "نحن"، ولا "هم". فقط "أنت"، في إشراقها التام، في نورها الذي لا ينطفئ.

ولعلنا، إن أردنا أن نفهم الحسين، لا نبدأ من كربلاء، بل من عرفة. من تلك اللحظة التي لم يُسفك فيها دم، بل سال فيها معنى. من ذلك الموقف الذي وقف فيه وحده، لا لأن أحدًا تخلّى عنه، بل لأنه أراد أن يُرى وحده، بين يدي واحد، يقول له وحده:

"كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟"

وهذا هو كلّ الحسين.