يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«دَواؤُكَ فيكَ وما تُبصِرُ، ودَاؤُكَ مِنكَ وما تَشعُرُ»

ويقول الله تعالى:

{وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}

ليست هذه الكلمات مجرد حكمٍ جميلة، بل مفاتيح نجاة.

فالقرآن، وكلام الصالحين، يلفتان نظر الإنسان إلى حقيقة قد تُؤلمه في البداية، لكنها تُحرره في النهاية:

أن كثيرًا من معاناتنا مع الناس… ليست منهم، بل من داخلنا.

داءٌ لا نراه… لكنه يتحكم بنا

  • الإحساس المتكرر بالخذلان
  • التعلّق المؤلم
  • الغضب غير المبرر
  • الحساسية الزائدة من كلام الناس
  • الشعور الدائم بأننا غير مُقدَّرين

ليست دائمًا بسبب الآخرين،

بل بسبب داءٍ خفي في النفس:

حب مفرط، أو توقّع زائد، أو فراغ داخلي، أو جرح قديم لم يُشفَ.

وهنا مكمن الخطورة:

أن يعيش الإنسان عمره يُخاصم الناس،

ولا ينتبه أن الجرح الحقيقي يسكن داخله.

الدواء لا يُستورد… بل يُستخرج

العجيب أن الله لم يقل: وفي الناس،

بل قال: {وفي أنفسكم}.

أي أن:

البصيرة

الفهم

الشفاء

التحرر

كلها تبدأ من الداخل.

فالدواء ليس في تغيير الناس،

ولا في إرضائهم،

ولا في الهروب منهم،

بل في أن تُبصر نفسك بصدق،

أن تسأل:

لماذا أتألم؟

لماذا أغضب؟

لماذا أتعلّق؟

لماذا أخاف الفقد إلى هذا الحد؟

حين تُسمي الداء باسمه…

تكون قد قطعت نصف طريق الشفاء.

لكن، كيف نُبصر؟

البصيرة لا تأتي بالتحليل النفسي وحده،

ولا بكثرة القراءة فقط،

بل بشيء أعمق:

أن تركن إلى الله.

أن تضع نفسك بين يديه بلا أقنعة،

وتفتقر إليه افتقار المنكسر،

لا افتقار المتزين بالكلمات.

أن تقول – لا بلسانك فقط، بل بقلبك –

كما قال موسى عليه السلام:

{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}

فهذا الفقر هو بداية الغنى،

وهذا الانكسار هو أول الشفاء.

إذا صدق الافتقار،

فتح الله عين القلب:

فترى نفسك دون قسوة

وتعرف ضعفك دون احتقار

وتُداوي جرحك دون إنكار

وحينها…

تخف وطأة الناس،

ويهدأ صخب العلاقات،

لأنك لم تعد تطلب منهم ما لا يملكون.

وختامًا أقول:

نعم…

في داخلك الداء،

وفي داخلك الدواء أيضًا،

لكن المفتاح عند الله.

فإذا أردت السلام:

أبصر نفسك

وافتقر لربك

ودع الله يتولى علاجك

فمن عرف داءه…

وسأل ربه دواءه…

لم يَضِع، ولم يَتُه.