من الخاطرة إلى العادة: كيف تُولد الأعمال من همسةٍ عابرة؟

مقدمة

تبدأ الحكاية كلها من خاطر… لمعةٌ في الذهن، أو صورةٌ عابرةٌ في الخيال. شيءٌ لا يُرى، لا يُلمس، ولا يُعاتب عليه العبد، لكنّه إذا تُرك على سجيّته، نما، وتحوّل، واشتدّ، حتى يصير فعلًا ظاهرًا، وعملاً مكررًا، ثم يتحوّل إلى عادة تملك صاحبها ولا يملكها!

فما أهون البداية… وما أعظم النهاية!

تسلسل داخلي عجيب: رحلة الخاطرة من القلب إلى الجوارح

يبدأ الأمر بخاطرةٍ تدخل القلب كضيفٍ خفيف، ثم تتوسّع لتصير فكرةً يسكن فيها العقل، فتستقر في الذهن وتُستحضر كل حين، ثم تتحوّل إلى ذكرٍ دائم، يُعيد الصورة ويُنمّيها، حتى تنبعث الإرادة: "سأفعلها!"

وما إن تتحرّك الإرادة، حتى تتحرّك الجوارح، ويقع الفعل… وتكراره يصنع من الفعل عادة، ومن العادة طبعًا يصعب فصله عن صاحبه.

الخاطرة… أول السيل

إن أول قطرة من السيل لا تُغرق أحدًا، ولكن إن لم تُحبس، فسيلها لا يُبقي ولا يذر.

وكذلك الخواطر، إن لم تُراقب وتُردّ في بدايتها، فإنها تُفتح أبوابًا ما كانت لتُفتح، وتُوقظ شهواتٍ ما كانت لتتحرك.

منهج المراقبة: اقطع الشر في مهده

  • إصلاح الخاطرة أيسر من دفع الفكرة.
  • وإصلاح الفكرة أهون من إصلاح الإرادة إذا اشتعلت.
  • والإرادة إن قويت، جرّت الجوارح إلى الفعل.
  • والفعل إن تكرّر، صار عادة.
  • والعادة إن استحكمت، صارت قيدًا من حديد، لا يُكسر إلا بعناء.

لهذا قيل: "من راقب خطراته، ملك حياته."

ما بين القلب والعادة: رحلة السقوط أو الصعود

ما بين أول فكرة تخطر في القلب، وآخر فعل يتحول إلى عادة، هناك سُلّمٌ داخلي لا يراه الناس، لكنه يحدد مصير الإنسان.

فمن ساس قلبه من البداية، نجا.

ومن غفل عن بدايات الأمور، وقع في نهاياتٍ لم يكن يظن أنه سيصل إليها.

الوقاية خير من العلاج

لا تنتظر أن تعالج عادةً متجذّرة… بل راقب تلك الخاطرة الضعيفة، ولا تستهِن بها!

فكم من معصية عظيمة كانت في الأصل فكرةً طائشة… وكم من تقوى راسخة بدأت بخاطرة هادئة قالت: "اقترب من ربك!"

خاتمة

إنها معركة تُحسم في بدايتها، لا في نهايتها.

فاضبط خاطرتك، تُفلح.

راقب فكرك، تنجُ.

طهّر إرادتك، ترتقِ.

فكل عادةٍ بدأت بهمسة… وكل انحرافٍ كان أوله ميلًا يسيرًا…

فإياك أن تقول: "هي مجرد فكرة!"

فربّ فكرةٍ أهلكت صاحبها… وربّ خاطرة رفعت إنسانًا إلى مقام الولاية.

_______