دورة حياة الإنسان مع الاكتئاب ..... من كتاب الكلب الأسود لد. محمد الشامي

"يضغط أفراد الأسرة والأصدقاء المقربون على الشخص أن يتقرب إلى الله حتى يخرج من هذه الحالة؛ يقتنع الشخص بالكلام لكنه يشعر أنه غير قادر على فعل أي شيء. يتحرك الأهل ليأتوا بشيخ يقرأ عليه فربما يكون ما فيه هو حسد أو سحر، يعتقد المريض هذا ليس حلا لكن لا مانع منه. "... من كتاب الكلب الأسود لد. محمد الشامي

إذا مر أحدكم بالاكتئاب أو كان قريبًا من أحد مر بهذا المرض اللعين فسيعرف تمام المعرفة أن المريض يدور في العادة في دائرة مفرغة ومعه أهله يمارسون هوايتهم المفضلة، ألا وهي النكران! فقد يكون الأهل على استعداد لفعل أي شيء بدايةً من إحضار شيخ للقراءة على المريض وكأنه ملبوس بالجان! إلى الذهاب به في زيارات للدجالين وتعليق الأحجبة وإحضار طلبات للأسياد! أي شيء إلا الاعتراف بأنه مريض نفسي والذهاب به لطبيب نفسي مختص.

المشكلة أن رفض الذهاب لطبيب نفسي أمر لا يخص الجهلة فقط، ولكن هناك متعلمين وحاملي شهادات يرفضون ذلك بشدة وقد عاينت أكثر من حالة بنفسي، بعضها يرفض الشخص نفسه الذهاب للعلاج ويعيش في عذاب قد يتجه به لإدمان المخدرات من أجل الحصول على راحة مؤقتة في كل مرة، أما الأهل فحدث ولا حرج، كثير منهم يخاف أن يكون هناك "سُمعة" على ابنته أو ابنه أنه مجنون ويذهب لدكتور المجانين!

وما يزيد الطين بلة أنه في كل مرة يعاني فيها مريض الاكتئاب من فقد الشغف بالحياة والانعزال أو محاولة إيذاء نفسه أو الانتحار، يتم لومه وتأنيبه بعبارات مثل أنه محظوظ ولا داعي لحزنه، أو أنه شخص غير راضٍ وساخط ويجب أن يحمد الله على ما لديه، وأن كل ما يحدث له هو بسبب البعد عن الله! فيشعر المريض أنه شخص سيء ويكره نفسه أكثر وتزداد حالته سوءًا.

فلماذا نلجأ إلى كل الحلول الممكنة حتى الخرافية منها ونتجنب الحل الوحيد الذي قد يكون المنقذ فعلًا؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كلماتك مؤثرة وتعكس واقعًا مؤلمًا يعيشه الكثيرون في صمت بين ألم الاكتئاب وثقل نظرة المجتمع والحقيقة التي يجب أن نواجهها بكل صراحة أن الاضطرابات النفسية ليست دلالة على ضعف الإيمان أو سوء التربية أو قلة الرضا بل هي حالات صحية معقدة تحتاج إلى رعاية وعلاج متخصص تمامًا كما نذهب إلى طبيب القلب أو الجهاز الهضمي دون خجل

لكن في مجتمعاتنا لا تزال الصحة النفسية محاطة بوصمة اجتماعية قاتلة تجعل المريض وعائلته يهربون من الحل الحقيقي ويبحثون عن بدائل غير علمية فقط خوفًا من الكلام أو السمعة وهذا الخوف غالبًا ما يكون أكبر من ألم المرض نفسه

الوعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير وعلينا أن ندرك أن الذهاب إلى طبيب نفسي لا يعني الجنون بل هو دليل على شجاعة المريض ورغبته في النجاة والمفترض أن يكون دعم الأهل هو الحصن الأول لا أولى بوابات الإنكار فالمريض حين يُكذب أو يُلام على ألمه تتحول معاناته من أزمة نفسية إلى صراع وجودي مع الذات والمجتمع

الأديان نفسها دعت إلى التداوي والعلم الحديث أثبت أن الاكتئاب خلل في كيمياء الدماغ يمكن التعامل معه بالعلاج النفسي أو الدوائي أو كليهما فلماذا نرفض ما أثبته الطب ونهرع إلى ما لم يثبت

الرحمة تبدأ من الفهم والدعم يبدأ من الاستماع دون حكم والعلاج يبدأ بالاعتراف

فلنمنح مرضى الاكتئاب ما يحتاجونه فعلًا تفهمًا احترامًا وعلاجًا متخصصًا فالألم النفسي لا يقل عن الألم الجسدي بل في أحيان كثيرة يفوقه قسوة خاصة حين يُكتم ولا يُحترم

أنت مُحق، تعامل مجتمعنا مع المرض النفسي مُخزي للغاية وينم عن جهل شديد واعتقادات مغلوطة متأصلة، فالمرض النفسي في الغالب يكون له أصل عضوي حيث أنه يصيب العقل الذي هو عضو بالأساس!

على المجتمع أن يكون أكثر وعيًا وتفهمًا للمرض النفسي ودعمًا لمرضاه ، وكذلك تقبلًا لفكرة العلاج النفسي، فهناك من يرضخون في النهاية ويذهبون للطبيب النفسي، لكن يرفضون هم أو أهلهم أخذ أدوية حتى لا يتعودوا أو يدمنوا عليها!

فكيف نقنع هؤلاء؟!

هذا بكل بساطة يعود لعدة أسباب منها وصمة العار التي تحيط العلاج النفسي في مجتمعنا العربي، بحيث نرى من العيب والنقص أن يطلب أحد علاج نفسي.

وسبب آخر أراه مهم وهو الجهل بمفهوم المرض النفسي، نحن بحاجة لإعادة تعريف الاضطراب والخلل والمرض النفسي ليعرف الجميع أنها ليست مجرد ضيق أو توتر بسيط، المرض النفسي تطور ليسبب اعراض جسدية قد تؤدي في حالات كثيرة للموت تحت تأثير أعراضه

وما سبب وصمة العار في رأيك؟

لأنه بالمنطق المريض النفسي يتألم مثلما يتألم المريض العضوي، بل أن المريض العضوي قد يقاوم ويحاول السعي للتغلب على المرض بينما المريض النفسي كمريض الاكتئاب هنا إذا لم يتم علاجه يذبل مع الوقت ويصير رافضًا للحياة نفسها.

لماذا لا نرى أو نسمع أحدًا يقول مثلًا لمريض السرطان أصابك هذا لقل إيمانك وتوجه إلى الله بالدعاء وقراءة القرآن والرقية لتطيب؟! ولماذا لا يُنصح مريض الكلى بترك جلسات غسيل الكلى حتى لا يتعود عليها أو يدمنها مثلما يُقال للمريض النفسي؟!

تفكير عجيب، فالمرض النفسي لا يقل تأثيرًا بل ربما يكون أكثر تأثيرًا على الإنسان من المرض العضوى، كما أن مرضًا مثل الاكتئاب مع تقدمه قد يصيب المريض بأعراض نفسجسمانية أي نفسية + جسمانية، فأيهما أصعب الآن؟!

تزعجني فكرة ربط الأمر بالدين والعبادة والتقرب إلى الله، ألم يحزن سيدنا محمد حتى سمي وقتها عام الحزن، وألم يصيب سيدنا يعقوب حمل شديد فبكى حتى فقد بصره؟ أشعر أن الربط هنا به مزايدة وتحامل، هل منطقي أن أقول لمن يعاني من كسر في ساقه أن عليه التحامل والصلاة فيشفى هذا الكسر ؟ أنا هنا لا انتقد الصلاة والعبادة أو أقلل من قيمتهم ولكن أقلل من فكرة التحامل المغلفة بالجهل التام والقاسي

هي فكرة مزعجة وسخيفة أيضًا للغاية، فكما ذكرت أنت حتى الأنبياء والرسل أصابهم الحزن بل الحزن الشديد أيضًا، فنحن بشر لسنا ملائكة والشعور والإحساس والنقص جزء من طبيعتنا البشرية، والأمراض النفسية أمراض مثلها مثل العضوية، فحتى أقرب الأقربون إلى الله قد يصيبهم المرض وليس لهذا علاقة بمدى تدينهم.

ما لاحظته في كثير من الدوائر المجتمعية المحيطة بي هو أن المشكلة الأساسية في تعامل الناس مع الاكتئاب أو الاضطرابات النفسية عموما هي أنهم لا يرونها على أنها أمراض فعلية، بل هو مجرد تغير مزاجي أو مرحلة عابرة، لكنهم لا يدركون إلى أي مدى قد يصل الاكتئاب بصاحبه، وبالتالي فإذا لم يكن هناك مرض فما الحاجة للطبيب؟ أما على الجانب الآخر فهناك فئة أخرى وهي التي تهتم بمظهرها الاجتماعي وترى أن الذهاب لطبيب نفسي يشوه سمعتهم، وهذا لأنهم لا يفرقون بين المرض النفسي والجنون أو الخرف، فيعتقدون أنهم بمجرد ذهابهم لطبيب نفسي أنهم يعترفون بكونهم مختلين عقليا، وكلا النظرتين رغم اختلافهم بين كون واحدة تهون الأمر بشدة والأخرى تبالغ فيه جدا، لكن كلاهما نتائجه تكون كارثية على صاحبها

كلا التفكير ين يدل على جهل أصحابه بحقيقة المرض النفسي ، بل بالطب النفسي ككل، فالمرض النفسي ليس مجرد تغير مزاج، فالفصام أو الوسواس القهري ليسا تغير مزاج، وحتى الحالات التي صاحبها تغير مزاج كالاكتئاب لا يمكن اعتباره كسحابة صيف تمر بسلام، فالحالة تتدهور مع الوقت من سيء للأسوأ وقد تنتهي بالانتحار.

من واقع تجربتك هذه، من تكون له تلك النظرة وهذا الرأي في الغالب أكثر ؛ المريض نفسه أم الأهل؟

لما حد بيعاني من الاكتئاب مش دايمًا بيبقى الحل في شيخ أو رقية أو حتى كلام تحفيزي عن القرب من ربنا رغم إن ده مهم لكن الاكتئاب مرض نفسي حقيقي زيه زي أي مرض عضوي وبيحتاج علاج عند مختص.

المشكلة مش في نية الأهل لأنهم في الغالب بيبقوا خايفين على ابنهم أو بنتهم لكن الخوف الأكبر بيبقى من نظرة المجتمع أو فكرة السمعة وده اللي بيخلي ناس كتير تفضل السكوت أو تضييع الوقت في حلول مالهاش علاقة بالعلاج الحقيقي.

العلاج النفسي مش عيب ومش معناه إن الشخص ضعيف الإيمان أو مش بيحب ربنا بالعكس إنك تعترف إنك محتاج مساعدة وتسعى ليها ده قمة الشجاعة والوعي.

اللي محتاجينه فعلًا:

– نكسر وصمة العلاج النفسي

– نسمع من غير حكم

– نبطل نقول ده بعيد عن ربنا ونبدأ نقول تعال نروح لدكتور يساعدك

الدين بيحسنا على التداوي والطب النفسي مش ضد الدين هو جزء من الرحمة.

وهل الشخص المحب لابنه أو ابنته يفضل عليهم المجتمع؟! في أوقات كثيرة يكون الخوف من المجتمع أكبر لدرجة تمنع الأهل من السعي لعلاج أولادهم، فتزداد حالتهم سوءًا مع الوقت.

برأيك ماذا تفعل الابنة أو يفعل الابن المريض بالاكتئاب ويرفض أهلهم الذهاب بهم لطبيب نفسي من أجل العلاج؟ توجد حالات كثيرة جدًا مثل هذه للأسف.

سؤال مؤلم وحقيقي ويطرح أزمة عميقة نواجهها في مجتمعاتنا بين الحب والخوف وبين ما يُمليه القلب وما يُمليه الضغط الاجتماعي

في كثير من الأحيان لا يكون الرفض نابعًا من قسوة أو جفاء بل من جهل أو خضوع لخوف موروث من وصمة العلاج النفسي

لكن الخوف على السمعة لا يجب أن يتفوق على الخوف على سلامة الابن أو الابنة

فالمجتمع لا يعيش مع الألم ولا يعاني من التدهور اليومي لصحة شخص نحبه بل يكتفي بالحكم من بعيد ثم ينسى

في حال رفض الأهل العلاج يظل من حق الشخص أن يسعى بنفسه لما فيه سلامته النفسية

في كثير من الدول والمجتمعات بدأت تظهر مبادرات سرية ومحترمة تقدم الدعم والاستشارات النفسية دون الحاجة لموافقة الأهل

أيضًا يمكن أن يبدأ الابن أو الابنة بمحاولة بناء جسر ثقة مع أحد أفراد العائلة الأكثر وعيًا أو انفتاحًا لطلب المساعدة بشكل تدريجي

التغيير يبدأ أحيانًا من صوت هادئ شجاع يقرر أن يختار التعافي رغم كل الضغوط

والوعي المجتمعي يتسع بفضل هذه الأصوات الشجاعة التي ترفض أن يكون الألم وصمة وتُصرّ على أن تكون السلامة النفسية أولوية لا خجلًا

كل الاحترام لكل من يسعى للنجاة بصمت

وكل التقدير لكل أسرة تقرر أن تُحب أبناءها بما يكفي لتتجاوز الخوف وتمنحهم فرصة الشفاء

أعتقد أن الحل يبدأ من التوعية والتثقيف النفسي والاجتماعي، وضرورة كسر حاجز الوصمة المرتبط بالأمراض النفسية، لتشجيع المرضى وعائلاتهم على البحث عن العلاج الطبي والنفسي المناسب. كما أن دعم المريض نفسيا واجتماعيا، والابتعاد عن اللوم والتقليل من معاناته، هو أمر حيوي في رحلة التعافي.

نعم كل هذه أمور جيدة للغاية، لكن من المنوط أو المكلف بالقيام بها؟

فقد يكون مريض الاكتئاب قد قام بالبحث واكتشف وعرف أكثر عن مرضه، لكن الأهل قد لا يصدقون ويعتبرونه يبالغ، أو قد يرفضون أن يذهبوا معه للطبيب النفسي، أو حتى أن يسمحوا له بالذهاب بمفرده، كما أن تكاليف الطبيب والعلاج النفسي عالية في الحقيقة ليتمكن الفرد خاصةً لو صغير في السن من دفعها بنفسه.

بتعرفي انو تعاطي الاهل والمجتمع غير المتعلم يفاقم من أزمة المكتئب ويزيد اكتئابه

هذه مقالة عن علامات الاكتئاب .. لنتثقف ونحسن التعامل مع المكتئب

بكل تأكيد تعامل الأهل والأصدقاء والمجتمع يكون له تأثيرًا كبيرًا على نفسية مريض الاكتئاب، وإشعاره أنه يبالغ أو غير راض عن حياته أو بعيد عن الله كلها أمور تزيد من نظرة المريض السلبية لنفسه، وتزيد انعزاله عن العالم وتُفاقم حالة الاكتئاب لديه للأسوأ.

لكن هل تعتقد أن على مريض الاكتئاب مسئولية تثقيف أهله عن المرض؟