أعشق لعبة الشطرنج، ولو خيّرت لتركت كل شيء واتخذتها مهنة طوال حياتي. لكن لنسأل بواقعية: هل ستكفيني لأعيش؟ طبعاً لا!
هذه اللعبة واحدة من أكثر الرياضات المظلومة وسط عالمنا العربي. للوصول إلى العالمية وتحقيق دخل مُعتَبر منها، أحتاج إلى التفرّغ التام من أجل التدريب اليومي، وإنفاق أموال طائلة من جيبي قبل أن أرى أي عائد يُذكر، تماماً كأي رياضي محترف.
لذلك، نصيحة «اتبع شغفك» قد تدمرك وتدخلك ضمن ضائقة مالية، إلا إذا كان شغفك مطلوباً ضمن السوق المستهدف، أو لديك رفاهية المال والوقت لدعمه حتى يبدأ بإدرار الدخل. الأصح من وجهة نظري وتجربتي أن تعمل ضمن مجال مطلوب ومربح تتقبله ولا تكرهه، وتترك شغفك كمتنفس لوقت فراغك، أو كمسار جانبي قد يتطور ليُغيّر مسارك المهني بأكمله مستقبلاً، دون أن يستنزف الكثير من وقتك بالأثناء.
التعليقات
أفهم طرحك، وهو واقعي جدًا من زاوية الاقتصاد وسوق العمل، لكن فكرة اتباع الشغف تفهم خطأ على أنه قفزة مباشرة إلى تحويله لمهنة، لكنه مسار تطوير بطيء بجانب عملك الأساسي.
ما أفضله دوما هو المزج: وظيفة أو مجال يضمن الاستقرار، مع شغف يُبنى تدريجيًا بذكاء، إلى أن يصبح قابلًا للتحول أو على الأقل مصدرًا موازيًا، بدل وضعهما كخيارين متضادين.
استراتيجية المزج بين الوظيفة المستقرة واتباع الشغف تدريجيا هي الحل الأكثر عقلانية وأمانا في البدايات، لكن هذا المسار المزدوج يمتلك تاريخ صلاحية ولا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
مع مرور الوقت وتزايد الأعباء، سيصل الإنسان بلا شك إلى نقطة الاختناق الزمني والنفسي، حيث تفرض اللحظة الحاسمة نفسها وتجبره على اتخاذ القرار الأصعب اما بقفزة جريئة ويتخلي عن منطقة الأمان الوظيفي والانحياز للشغف بعد أن نضج واشتد عوده او الانسحاب والرضوخ لمتطلبات الوظيفة الأساسية وترك هذا الشغف يتراجع أو يتلاشى تحت وطأة ضيق الوقت والجهد المستنزف.
هذه اللحظة الفاصلة تتجاوز مجرد التخطيط المالي أو المهني، فهي تتطلب شجاعة استثنائية لتقبل المخاطرة وترك المضمون، وتوفيقا كبيرا لتتزامن هذه القفزة مع اللحظة التي يكون فيها الشغف قادرا فعليا على إعالة صاحبه
لا أنكر حقيقة مساهمتك، لكن عندما يعمل الإنسان في شيء يحبه ويجد شغفه فيه، سيقدم فيه أفضل ما عنده، وسيكون مبدعاً في مجاله؛ لأنه يفعل ذلك بحب وليس مجرد تأدية واجب.
يمكن للشخص أن يعمل في شيء يحبه، فبالتأكيد لا يوجد شخص يكره كل الوظائف الموجودة فالعالم، ولكن ذلك لا يعني في المقابل أن نقرر إتباع شغفنا في شيء لا يوجد فيه عمل ثم نلوم من يشجعنا على اتباع شغفنا. فبالتأكيد الإنسان يكون له أكثر من شيء يهتم به ويريد العمل فيه، لذلك يمكنه إختيار عمل يحبه وسيقدم فيه أفضل ما عنده، وليس أن يختار عمل يكرهه ويتفاجئ بأنه لا يستطيع تقديم أفضل ما عنده فيه.
الشطرنج والألعاب للتسلية فقط لأنها لا تقدم قيمة للمجتمع، فمثلا لا يعني اتباع الشغف أن يظل شخصا ما يشاهد الأفلام لأنها شغفه، لكن يمكنه أن يتعلم لغة يستخدمها في عمل حقيقي وبذلك يكون استخدم شغفه لتقديم فائدة حقيقية، وبالنسبة للشطرنج هو يفيد في مهارات مثل حل المشكلات ووضع خطة، وتستخدم هذه المهارات في عمل حقيقي.
ألا تظنين أن مطالبة أي نشاط فردي بتقديم منفعة ملموسة للمجتمع هي فخ رأسمالي يحول كل دقيقة من حياة الإنسان إلى آلة إنتاج؟ القيمة الأسمى للشغف ربما لا تكمن بإنقاذ العالم أو تقديم فائدة للآخرين بالمقام الأول، فضلاً أن بالإمكان المساهمة بالمجتمع من مدخول رياضة مثل الشطرنج لو وصل اللاعب لأعلى درجات الاحتراف وصار يقبض مبالغ طائلة، تخيّلي كم من إنسان بوسعه أن يساعده.
نحن نعيش في عالم رأسمالي، لذلك بالتأكيد يجب على كل نشاط فردي أن يقدم قيمة ملموسة للمجتمع إن كان يطمح الشخص لأنه يجعله عملًا له وأن يحصل على المال منه. ففي النهاية من يدفع لنا هو شخص ينتظر منا أن نقدم له شيئًا أو منفعة في المقابل، ولا يدفع لنا لنتبع شغفنا ونعيش بسعادة. حتى من يدفعون للاعبين فهم يدفعون لهم لأنهم يجنون المال حين يشاهد الناس اللاعبين وليس لأن اللاعب يحب الكرة مثلًا.
اما بالنسبة لأن الشخص إن حصل على مبالغ طائلة سيساعد المجتمع، فلا أحد يهتم بذلك، فكما قلت لك من يدفع المال هو شخص يهتم بمصلحته وبما سيحصل عليه، لذلك حتى إن كنت تقوم بشيء لا يفيد المجتمع ويضره، ولكن يفيد صاحب العمل سيكون من السهل الإستمرار في هذا العمل وجني المال منه.
مرحبًا بعودتك نبراس…
لو نظرنا إلى الشطرنج كمثال في الغرب هناك رعاة، بطولات، منصات بث، ودخل من التدريب عبر الإنترنت. بينما في العالم العربي، البيئة أقل دعمًا، وهذا يجعل الاحتراف أصعب إلا إذا وجدت طريقة مبتكرة لربط شغفك بالسوق (مثل التدريب أونلاين، صناعة محتوى، أو المشاركة في بطولات دولية).
تحياتي لك عزيزي. حتى تشارك ضمن بطولات دولية لا بد أن تجعل الشطرنج شغلك الشاغل كل يوم، تماماً مثلما يفعل أي رياضي ينشد الاحتراف. أما التدريب أونلاين وصناعة المحتوى فطريق طويل وشائك خصوصاً مع لعبة يندر محبّوها بعالمنا العربي. بمعنى أن سوقها ضعيف جدّاً، ولذلك تجد عشرات القنوات بعد سنوات طويلة من النشر اليومي، لم تبلغ ولا حتى ربع مليون مشترك، والتفاعلات على فيديوهاتها شحيحة.
ربما تكفيك لتعيش... البطولات مع السوشيال ميديا ، فيديوهات عن الشطرنج ، ممكن تكتب كتاب عن الشطرنج ,، تعمل كورسات عنه ...أي شئ يكفي كمصدر دخل إذا عرفت كيف تبيعه.
كلام مشجع! لكن بالحديث عن العالم العربي، نعرف جميعاً أن القراءة والكتب آخر ما يبحث عنه العميل العربي للأسف طبعاً. نفس الشيء ينطبق على الكورسات المرتبطة برياضة مثل الشطرنج، لكون المهتمين بها وسط عالمنا نادرون جداً. إضافة إلى ذلك، ربما يمكن تحقيق دخل متواضع كما تفضلت، لكن الوصول إلى مصاف اللاعبين العالميين، واتخاذ اللعبة مصدر دخل أساسي ليس أمراً هيناً بالمرّة.
كيف سيتحول إلى عمل ما دمت لا أوليه معظم وقتي وجهدي واهتمامي؟ الأمر عزيزي أشبه بأن نخبر لاعب كرة قدم يطمح إلى العالمية، بأن يتدرب ساعة كل يوم، ليتحول إلى لاعب دولي بغضون سنوات - وهذا بالتأكيد مستحيل للأسف الشديد.
قبل أكثر من خمس سنوات، كنت أمشي بالصدفة ورأيت متجرًا يبيع قطع أردوينو. أعجبني الأمر وبدأت أعمل مشاريع صغيرة في الإلكترونيات. طوال تلك السنوات وبشكل متقطع كنت أستمتع بمشاهدة فيديوهات عشوائية عن الإلكترونيات، كما يستمتع شخص بمشاهدة برامج عالم الحيوان، او اشتري قطع من علي اكسبريس ، لم اربط الشغف بالعمل إطلاقًا. كانت مجرد هواية أحبها ولا أعرف لماذا.
مؤخرا تغيّر الأمر قليلًا: اتفقت بشكل مبدئي مع منظمة مهمة على مشروع قد اساعدهم في صناعة عشرات القطع من جهاز بميزات متقدمة.
وبنفس الطريقة، بدأت مؤخرًا تعلم العزف على البيانو. وربما أتطوع قريبًا في جمعية لتقديم دورات في العزف.
هكذا هو المسار : يبدأ كهواية، ثم يتحول إلى تطوع، ثم يصبح عملًا.
أتمنى لعب دور معك أستاذ نبراس يوما ما