هل الاقتصاد يتحكم في المجتمع، أم المجتمع يتحكم بالاقتصاد؟

الاقتصاد دائماً ما نجده هو المؤثر الأقوى على المجتمع وعلى قدراته الشرائية وأنماطه الإستهلاكية، ولطالما مر على عقلي هذا السؤال هل الاقتصاد يتحكم في المجتمع، أم المجتمع يتحكم بالاقتصاد ؟ 

ومع مرور الوقت أصبحت أدرك أن للاقتصاد قوة لا يستهان بها فى قولبة أنماطنا الاستهلاكية فى اتجاه معين، حتى ولو كانت اتجاهاتنا الاجتماعية ودوافعنا الداخلية تسير فى الاتجاه الأخر.

 ولهذا فتأثير الاقتصاد على مختلف نظم الحياة الاجتماعية تأثير هائل.. ويرى علماء الاجتماع أن الدين والأخلاق والفن والأدب وكل ثقافات المجتمع غير المادية تعكس الوضع الاقتصادي لذلك المجتمع.. ويظهر ذلك جلياً في أن أهم النظريات الاجتماعية مثل: الشيوعية، والرأسمالية هي في أصلها نظريات اقتصادية بحتة.. من هنا يرون أن كل الفلسفات والأيديولوجيات نشأت بسبب عوامل اقتصادية في المقام الأول.. كما يرون أن النظم والإجراءات بما في ذلك دساتير الدول تصدر وفق منظور اقتصادي أولاً. 

ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع أن الاقتصاد هو المركَّب التنظيمي الذي يرسم الطريق لقرارات وأفعال أفراد المجتمع.. وهم ينظمون أوقاتهم ونشاطاتهم وكيف يستخدمون مواردهم ويزيدون من إنتاجهم.. منطلقين من فرضية الإنسان يسعى بعقله وفطرته لمنفعته ولخير نفسه.. هذا إضافة إلى أن أبرز علماء الاجتماع كانوا في الأصل علماء اقتصاد. 

فقلة الموارد والتقلبات الإقتصادية والتضخم، ومقدار التدخل الحكومى بفرض السياسات الضريبية وانخفاض الناتج القومى المحلى للدولة، والبطالة والفقر لها أثار إقتصادية سلبية كبيرة، تدفع بعاداتنا وأنماطنا الإستهلاكية فى إتجاه منتجات أقل سعراً وأقل جودة مع العزوف تماماً عن منتجات الرفاهية.

وعلى الجانب الأخر ، فتوافر الموارد للدولة وقلة التقلبات الإقتصادية، وسعى الحكومة لدعم الإستثمار وارتفاع الناتج المحلى القومى للدولة، يدفع بعاداتنا وأنماطنا الاستهلاكية في منتجات أعلى سعراً وأكثر جودة، مع الاتجاه إلى شراء منتجات الرفاهية .

والآن هل ترى اقتصاد دولتك يؤثر على عاداتك وأنماطك الشرائية؟ وهل كان لك فى يوم من الأيام دوافع داخلية لشراء منتج معين ومنعتك الظروف الاقتصادية لدولتك من شرائه؟

أخبرونا عن تجاربكم ..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تُرَبِّي السُّوقُ الأجيالَ حسب ثقافتها ورموزها، بدءاً من برامج الأطفال المكتظّة بالفواصل الدعائية التي ترغِّب بالاستهلاك وتطبع في أذهان الصِّغار ووجدانهم سلوكيّات استهلاكية وعلامات تجارية، ثم تستدرجهم المتاجر بأحابيل الجذب والترويج إلى زمرة المستهلكين خطوةً خطوة؛ كي تنتهي بهم إلى اقتناء ما قد لا يحتاجونه في الواقع. هذا على مستوى تأثير السوق علينا من ناحية ما يُعرض ويُراد من سلوك ولكن بذات الوقت لا يمكن عرض ما لا يُراد أصلاً، فالمجتمع يفرض بتفكيره أنماطاً للموارد، كل شيء متصل ببعضه بطريقة ديناميكية كساعة بالضبط، نتيجتها الأخيرة الحياة واستمرارها.

إذا فمفاد كلامك أستاذ ضياء أن الاقتصاد والمجتمع كليهما يؤثران على بعضهما البعض في منظومة متكاملة تشكل الحياة واستمراريتها ، ولكن هل ترى أن تأثير الاقتصاد على المجتمع خصوصاً البلدان النامية غير المنتجة سيكون أقوى من تأثيره على المجتمعات المنتجة مثل أوروبا وأمريكا نظراً لإرتفاع الناتج المحلى القومى لديهم باعتبارهم شعوب منتجة أكثر مما يستهلكون .

بحسب الدراسات والمقالات التي تمرّ علينا يومياً والتي تصف حالهم كغرب لا أظن بأنّهم فعلاً منتجون بأكثر من مستهلكين، هم أسوء من تلك الفكرة بكثير، لا بُد أن مجتمعاتهم أفضل من مجتمعاتنا من الناحية الإقتصادية لكن لديهم مشكلة ومشكلة عميقة في نظرتهم للأسواق، بعضهم لديه شراهة سوقية غير طبيعية، فجع تسوق، حيث أنّ السوق يحكم تصرفاتهم جميعها ويتعرض الواحد منهم لعصف غير طبيعي من الدعاية التي تسيطر على أدمغتهم.

في كل المجتمعات يبدو أنّ هذه العلاقة تشتغل وواحدة بتعدد المجتمعات والقوميات والقدرات الإقتصادية.

أتفق معك فى أن مجتماعاتهم إستهلاكية من الدرجة الأولى ، لكن هى فى نفس الوقت مجتمعات منتجة حيث يتفوق الناتج المحلى القومى لهم ، عن الدول النامية والتى يتفوق جانب الاستهلاك فيها على جانب الانتاج .

نعم هم أكثر استهلاكاً منا بالفعل ولكن اكثر انتاجاً ، فبقدر ما يتحكم الاقتصاد فيهم بنسبة معينة هم يتحكمون بالاقتصاد أكثر من هذه النسبة .

كلاهما يؤثر بطريقة ما بالآخر، فالمجتمع بعاداته وتقاليده ترسم االصورة الاستهلاكية للفرد وللجماعة، وترسخ ذلك من خلال وسائل الإعلام والمبادىء الاجتماعية المختلفة، وعند حدوث خلل بالاقتصاد أو لنقل تغير بالانخفاض أو الارتفاع يبدأ هو برسم سير المجتمع وتعديل سلوكه الاستهلاكي بشكل اضطراري.

والآن هل ترى اقتصاد دولتك يؤثر على عاداتك وأنماطك الشرائية؟

بالتأكيد، نحن مقيدون بالحالة الاقتصادية للبلد، فكانت أول نصيحة سمعتها من الاقتصاديين مع أزمة مصر، هو التخلي عن الرفاهيات، وتحديد الأولويات وتعديل سلوكياتنا بشكل عقلاني.

بالفعل أعتقد أن كلاهما يؤثر فى الأخر ، ولكن أفلا ترين نورا أن وطأة تغيير الأقتصاد على المجتمع أقوى من تأثير المجتمع على الاقتصاد خصوصاً فى البلدان النامية التى يكون الناتج المحلى للمجتمعات غير المنتجة منخفض .

osama3434 أضف ردا

أشكر الأستاذ أحمد على طرحه العميق حول العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والمجتمع. بالفعل، كما أشار، فإن تأثير الاقتصاد على السلوك المجتمعي وأنماط الاستهلاك لا يمكن تجاهله، وقد تجلى هذا في مسارات تطور النظم الاقتصادية العالمية.