32

حكايتي مع الموت !

ما حدث لي كان في بلد عربي غير محدد ولكن الان خرجت منه واعيش في بلد آخر غير محدد ..

كانت تلك اسوء مرحلة في حياتي مدتها بين 3 سنين ، لم تكن المرة الاولى التي اسجن فيها عندهم بدون سبب ، المهم ان يتم التحقيق معي والضرب طبعا كان من ميزات هذه القصة ، في كل مرة اسجن فيها اخرج كأني ولدت من جديد ، مرت علي ليال كثيرة لم استطع فيها النوم ، دقات الباب احيانا كانت ترعبني ، كنت اشعر في كل مرة يدق احد فيه الباب ان موعدي قد أتى ، او ان زيارتي لهم قد حانت ، يمكنك القول أني اعتدت بعض من الروتين في كل مرة..

يمكنك القول ان امن الوطن لا يمكن ان يحافظ عليه الا بالاهانة والتعذيب ، هذا فكرهم او عقيدتهم .. لا يهم ، كنت احاول التخفي في معظم اوقاتي ، اردت ان اكون حائطا كي لا يراني احد ، او يعير لي اهتمام ، لا اعلم لما لم اقتل على يدهم مع اني دخلت عدة مرات ورأيت الموت امام عيني ، حتى أني حملت من قتل على يدهم لأكدسهم فوق بعضهم حتى يأتي الوقت ويرمونهم في مكان ما ، حين ترى انسان ميتا لن تعود نظرتك للحياة كما هي ، في كل ثانية كنت ادرك ان مصيري في النهاية مثلهم ، لكني لم اكترث .. لكل انسان طاقة تحثه على الاستمرار على الحياة ولكنها انتهت عندي ، لم يكن الانتحار سبيلا فالموت كان اقرب لي من ان انتحر او افكر به ، خسر اهلى الكثير من المال في كل مرة اخرجوني فيها ..

بعض من كانوا في الداخل لم اشعر بإنسانيتهم ، تعلمت هذا الدرس في اول مرة دخلت فيها وعاد احدهم الينا بعد التعذيب فحاولت مساعدته ، لكنها كانت اكبر غلطة ارتكبتها ، فضربت حينها ضعف ما كان مقدرا لي ، ثم أدركت ان انسانيتي لا قيمة لها هنا ، حاولت الحفاظ على ما تبقى منها في داخلي ، لا اريد ان اصبح وحشا مثلهم في النهاية ..

في كل مرة كنت ادخل الى معتقل رسمي وهذه ميزة صدقني ميزة قد تقرر بين حياتك او موتك ، فالمعتقل الرسمي يمكن ان يتم التواصل معهم حتى تدفع لهم الاموال فيخرجوك ان كنت محظوظا ومازلت على قيد الحياة ..

لكن المرة التي كانت ستقرر نهايتي حانت ، حبست من قبل مجموعة غير رسمية ، فكنت عائدا كالعادة الى بيتي ، ناداني احدهم بلباس عسكري فأجبته .. طلب هويتي .. أعطيته اياها .. قال الحقني .. لحقته .. كيف لي ان ارد على شخص يحمل السلاح ؟؟

دخلت الى مبنى يبدو انه تحول مؤخرا الى معتقل ، ولكنه ما زال مسكونا في الطابق الارضي ، صعدت معه الى الطابق الاول ، فإذ بمكتب يجلس عليه ضابط .. قال له العسكري " هذا هو سيدي " ..

هذا من يا رجل ؟؟ انا من ؟؟ هل انا زعيم عصابة ولم ادرك هذا بعد ؟؟

لم استطع الرد بكلمة ، فكنت اعلم ما مصيري لو تفوهت بكلمة لم تعجبهم .. فتشوني واخذوا كل اغراضي من هاتف وهوية .. الخ

ادخلني العسكري الى غرفة بيت عادي .. فقام كل من في الغرفة ولفوا وجوهم الى الحائط .. لم اعلم ان كان ما قاموا به احتراما او خوفا او لسبب آخر .. بحثت عن مكان فارغ لاقف فيه حتى خرج العسكري .. حينها لف المعتقلين وجوههم وجلسوا .. جلست ساكنا .. لم استطع التفوه بكلمة .. كنت ادرك خبثهم واساليبهم .. لان هناك احتمال كبيرا ان يكونوا قد وضعوا احدا منهم على انه معتقل ليسمع احاديثنا ..

مضت الليلة الاولى وخارج الغرفة اصوات تعذيب اعتدت عليها .. لم استطع النوم .. كان بجانبي رجل بعمر والدي تقريبا .. لم اشعر بأنه خائف .. كنت اريد فهم ما يحصل .. فكلمته بصوت منخفض كي لا يسمعنا احد .. سألته أين نحن ؟ .. اجابني بعبارة هزتني رغم كل ما عشته من لحظات سيئة في حياتي .. قال لي " هل تركت وصية لأهلك ؟ " .. لم استطع الاجابة او لم ارد .. كلامه حطمني رغم انه قالها وهو مبتسم .. كأنه ينتظر وقته او كأنه يحلم بجنة يعيش فيها بعد أن يقتل ..

كان التعذيب مختلفا .. وطبعا كان بالدور ، كلن له دوره وطريقة تخصه بالتعذيب .. يمكنك القول انه فن جديد .. بعضنا كان يدخل وارجله مجروحة والبعض الآخر ظهره متورم .. لم اتناول سوى كسرات خبز لا اعلم ان كانت صالحة للاكل وزعوها علينا .. دوري في التعذيب كان مختلفا عن الجميع لا اعلم السبب .. عذبوني في الغرفة امام الجميع .. ربطت يدي خلف ظهري .. وجلست على ركبتي .. وقام اثنان من المعتقلين معنا بتثبيتي بينما يتعلم العسكري فن الجودو او الكاراتيه علي .. ربما كانت هذه طريقة تدريبهم .. لا اعلم صراحة ..

استمرت الحالة ولم اعد ادرك الفرق بين الليل والنهار .. تناقصت اعدادنا .. الرجل العجوز لم يعد بعد آخر تعذيب له .. أظنه قد لاقى حتفه .. لم اتوقع ان يتحمل شخص بعمره كل هذه الفترة .. جاءت اللحظة التي انستني معنى ان اكون حيا ام ميتا .. طلبني العسكري .. ادخلوني لغرفة اخرى فارغة .. فارغة من الاشخاص لكنها ملطخة بدماء لا اعلم لمن هي .. علمت حينها ان الامر لا مفر منه .. سأقتل لا محالة .. دخل الضابط ومعه عسكري .. وقال لي " إذا لم تعترف فنهايتك هنا ! " .. اجبته " لن اعترف بشيء لم اقم به " .. رفسني العسكري .. وقال لي الضابط .. " قف ووجهك للحائط وارفع يديك .. وانطق الشهادة " .. مرت لحظة سخرية قلت فيها " ما شاء الله يهتمون بأن أنطق الشهادة وكأني انتظر امرهم " .. نطقت الشهادة ولم اشعر بشيء كما يظهر في الافلام .. لم يمر شريط حياتي امامي .. لم اتذكر اي شيء من الماضي .. لم اشعر بالخوف .. مجرد اني واقف انتظر موتي .. قام بوضع فوهة سلاحه على رأسي .. قال له الضابط جهز سلاحك .. قام بتلقيمه .. انتظر ثواني قليلة وكأنه رغم كل ما قاموا به يريدون تعذيبي في آخر ثواني حياتي ..

فجأة .. قال له الضابط انزل سلاحك واخرج .. قال لي ادر ظهرك .. ورأيته .. أصابتني لحظات توحش حينها اردت الانقضاض عليه لأقتله او انتقم منه بأي طريقة كانت .. لكن عقلي منعني .. شعرت بأمل بأنه قد يتركني وشأني .. قال لي سأخرجك ولكن نريد مبلغ من المال .. قلت له أي شيء سيدي .. تغيرت معاملته بعد ان سمع موافقتي .. كنت اتوقع لو اني رفضت دفع المال لأعادني الى الغرفة مرة اخرى .. جلست في مكتبه وكلمت اهلي ليأمنوا لي المبلغ ..

خرجت حينها .. وتدبرت طريقة للخروج من البلد بطريقة غير شرعية .. وها أنا حي امامك .. لم تمت انسانيتي بعد .. ولكن الموت لم يعد يخيفني !

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قصة مؤثرة، وهذه نقطة في بحر وغيض من فيض لقصص اعتدنا على سماعها في زماننا من بعض البلدان العربية وأظن انني عرفت البلد المذكور من قبلك، اذ ان لدي بعض القصص تكاد تكون طبق الأصل من أصدقاء لأهليهم ومعارفهم.

أعانك الله، وعلى أي حال لم تكن تلك ساعة المنية التي قد كتبها الله عليك. كما قال الشاعر:

ومن تك منيته بأرض ~~~ فليس يموت في أرض سواها

وفقك الله.

وهذه نقطة في بحر وغيض من فيض لقصص اعتدنا على سماعها في زماننا

اتفق تماما ، اتمنى فقط لو كانت لي قدرة حينها على التحدث مع المعتقلين الاخرين قبلي بشكل مطول ، فبعض ممن كانوا معي كانت تجاربهم افظع.

لا ادري ان مررت بتجربة مماثلة لك, هل سأبحث عن طريقة للهرب خارج البلد ام سأتحول الى مستذئب اقوم باصطياد كل شخص يمت لهم بصلة واستمتع كل ليلة بتناول وجبة عشاء مكونة من قلب وكبد, و اتمايل طرباً بتخيلي لنياح ثكلى تبكي هذا الوغد.

كنت اتمنى لو استطيع الانتقام ، غالبا انا من النوع الهادىء ، لا اتخيل نفسي قد استطيع التحول الى مستذئب بين ليلة واخرى ، وكانت عقلانيتي تساعدني قليلا ، فمن سأنتقم منهم ليسوا ذات الاشخاص وهذا في نظري لن يريح ضميري، ما يريح ضميري هو ان انتقم من كبيرهم .. منه هو فقط اما الباقي فلا يهموني صراحة.

حين ترى انسان ميتا لن تعود نظرتك للحياة كما هي..

اقتباس من القوقعة مجددا:

أنا أؤمن بقول يقول أنّ الإنسان لا يموت دفعة واحدة، كلما مات له صديق أو قريب أو أحد من معارفه... فإنّ هذا الجزء الذي يشغله هذا القريب.. يموت في نفس هذا الإنسان! ومع الأيام وتتابع سلسلة الموت، تكثر الأجزاء التي تموت في داخلنا.. تكبر المساحة التي يحتلها الموت.. وأنا أحمل مقبرة كبيرة داخلي!

ان كان يقصد الموت الخاص بسنة الحياة فلا اتفق معه، لان الكل الى زوال .. كلنا يبكينا رحيل شخص عزيز عندما ينتهي عمره .. ولكنا نستمر في النهاية ..

ام اذا كان يقصد موت اشخاص قتلوا او ظلموا فهذا الشيء الوحيد الذي لن يريحني ما دمت حيا .. وجوههم محفورة في ذاكرتي .. اتذكر موتهم اكثر من موت جدي او باقي كبار السن في عائلتي الذين ماتوا بما ان اجلهم قد حان ..

لا أعرف بماذا أرد شكرا لك علي تلبية طلب الاخوة .. أسأل الله أن يفرج عن الباقين وأن يديم لك الخير والعافية إلي ان تحين الساعة وان يدخلنا وإياك الجنة إذا حانت .

قصة جد مأثرة .

لم اشعر بالخوف .. مجرد اني واقف انتظر موتي ..

ياله من شعور قبل ان يكلمك العسكري في الشارع في اول يومك هل فكرت ان موتك قد يكون غدا يعني سؤال مشابه لسؤال الرجل في السجن هل استعددت للموت ولو للحظة في الأيام التي عشتها قبل دخول السجن وإن كنت فكرت فيه ما هو الشيء الذي كنت ستفعله لو انك رددت إلي تلك اللحظة يعني أُعاد الشريط من لحظة شعورك هذا إلي تلك اللحظة التي علمت فيها ان موتك قد يكون غدا ماذا كنت ستفعل باختصار ؟

kashef_almassoniya أضف ردا

أسأل الله أن يفرج عن الباقين وأن يديم لك الخير والعافية إلي ان تحين الساعة وان يدخلنا وإياك الجنة إذا حانت ..

ان شاء الله :)

هل فكرت ان موتك قد يكون غدا ؟

كان الوضع لا يبشر خيرا .. لم اكن اتوقع اني سأبقى على قيد الحياة ، كنت اعلم اني سأموت بطريقة او بأخرى ، لم يكن سؤالي متى ؟

كنت ادعو ربي ان يختار لي طريقة تريح اهلي ان قتلت ، اعلم ان الموت واحد ولكن طرقه عديدة ، كنت افضل ان اقتل بالخطأ برصاصة طائشة او انفجار .. او اي شيء ، المهم ان يكون الموت سريعا ولا اشعر بشيء ، المهم ألا اموت ميتة مذلة على يدهم وان ينتظر اهلي استلام هويتي او جثتي ان كانوا سيحتفظون بها اساسا ..

ما هو الشيء الذي كنت ستفعله لو انك رددت إلي تلك اللحظة يعني أُعاد الشريط من لحظة شعورك هذا إلي تلك اللحظة التي علمت فيها ان موتك قد يكون غدا ماذا كنت ستفعل باختصار ؟

لا اظن انه كان يمككني فعل شيء ، الامر كان محتوما علي حينها ، مجبور ان انتظر موتي او انتظر الفرج ، ان لم احبس في ليلة قد احبس في ليلة اخرى ، لو كانت لي القدرة على العودة وكنت اعلم ان هذا ما سيحصل ، اتمنى حينها لو كان بيدي سكين او اي اداة لكنت قتلت ذلك العسكري ولو قتلوني لا يهم ، المهم ألا اعيشها مرة اخرى ..

من الرائع أن ترى نفسا بهذا النقاء بالرغم مما عشته من محن .... وتنكيل لكنني لا أفهم سبب الاعتقالات المتكررة ؟

كثيرة ، واحيانا لا اعلم السبب الحقيقي وراءها ، لكن غالبها بسبب المنطقة التي كنت اسكن فيها حينها ووضعها في ذلك الوقت ، ايضا اسم العائلة لعب دور كبيرا ، وربما تقارير كتبت من قبل اشخاص "محترمين".

هل يتم اعتقال الناس بشكل عشوائي !

المهم ان يتم التحقيق معي والضرب

في ماذا تم التحقيق معك