نسمعها كل يوم، كأنها حقيقة لا تقبل الجدال: "البلد فيها فلوس، فيه ناس معها".
تقال هذه الجملة كلما ذُكر الساحل، أو الأحياء الراقية، أو الأماكن التي يظن الناس أنها مسكونة بالوفرة. يقال لك إن هناك من يعيش عيشة الملوك، وإن هناك طبقة خفية تملك كل شيء، تشتري ولا تنتهي، وتسكن حيث لا نسكن.
وقد حاولت طويلاً أن أبحث عن هؤلاء، أن أضع يدي عليهم، أن أعرف من هم وأين هم، فما وجدت أحداً.
نظرت حولي، فلم أر إلا الكفاف. صاحب المحل العادي، الذي يظن الناس أنه يربح، هو بالكاد يسترزق، بالكاد يُتم شهره ليبدأ شهراً آخر. لا فائض ولا ثراء، بل سترٌ مستور.
ونظرت فيمن سافروا، ولي في الإمارات أخت وأقارب ومعارف كثر في السعودية ، فما رأيتهم يملكون شيئاً. هناك هم بالكاد يعيشون، في شقة من غرفة وصالة، وأفضلهم حالاً هو من استطاع أن يلم شمل عائلته وأن يدخر قرشين في آخر العام. هذا هو منتهى الغنى في غربته.
بل إنني أعرف صديقاً مهندسا يملك مصنعاً في جدة منذ عشرين عاماً، ومع ذلك يشتري شقته بالتقسيط، ولا يملك أن يشتري شاليه كم قال وأكدت والدته . فأين الغنى إذن؟
ولي أيضا عم كان مسئولا كبيرا في وزارة العدل، تقلد منصباً مرموقاً، ثم خرج بمعاش ضعيف ويعيش مثلنا متوسط الحال . وأعرف أبناء عائلة كان أبوهم عقيداً في البحرية، ومعاشه بلا شك أفضل من معاش عامة الناس، لكنه ليس بتلك الأسطورة. إن كان معاشك خمسة آلاف، فمعاشه عشرة أو خمسة عشر، وهذا هو كل الفارق، أما الملايين التي يتخيلها الناس فلا وجود لها. وقد رأيت عيشة هؤلاء عن قرب لأنهم أبناء عمتي، عيشتهم عادية تماماً، في حي عادي، بلا فلل ولا سواحل ولا شيء مما يروى عنهم.
فمن هم إذن؟
قلت لعلهم أصحاب الشركات الكبرى وأرباب الممتلكات الضخمة. ثم تذكرت أن هذه الشركات ليست ملكاً لرجل واحد، بل هي أسهم موزعة وشركاء متعددون، وكثير منها - كما يُقال علناً - خاسر، يحتاج إلى من يضخ فيه المال لا إلى من يجني منه. وحتى المحل الكبير الذي يبدو عامراً، هو شركة بين عدة أشخاص، يأكل الضرائب والعمالة وهوامش الربح الضئيلة معظم ربحه، وما يبقى منه يعود ليدور في نفس المحل ليكبر قليلاً.
وأغلب هذه الشركات الكبرى، على كل حال، ليست مصرية أصلاً، بل هي شركات أجنبية. أما الأسماء التي يرددها الناس كـ "ساويرس" وغيره، فهم اثنان أو ثلاثة يعدون على الأصابع، ومعظم استثماراتهم خارج مصر.
قلت لعلهم الفنانون والكتاب. وأنا أحضر الفعاليات والمهرجانات منذ عشر أو خمس عشرة سنة، فما رأيت إلا شباباً موهوبين فقراء، على قد الحال. الكاتب منهم يدفع من جيبه لينشر كتابه، والفنان بالكاد يقيم حفلته في نفس القاعات المحدودة بتذكرة زهيدة. لا ثراء هناك أيضاً.
وقلت لعلهم الأطباء والمهندسون الذين سافروا إلى الخليج. لكن الطبيب والمهندس لا يأخذ في مصر شيئاً، وفي الخليج يأخذ ما يكفيه ليعيش هناك، لأن الحياة هناك غالية، وإن أراد أن يعود بشيء يدخره فعليه أن ينتظر عشرين عاماً.
ثم جاءت أسطورة الخليجيين الذين اشتروا الساحل والشاليهات واستولوا على العلمين ومراسي. فذهبت بنفسي إلى هناك لأرى. فمررت بجانب القري السياحية فوجدتها فارغة، لا سيارات تدخل ولا تخرج. وفي العلمين نفسها لا تجد أحداً في النهار، فالحر شديد والشوارع خالية. وحتى في المول مقابل مراسي، بالكاد التقيت اثنين أو ثلاثة من الكويت أو غيرها، فلما سألتهم قالوا: نحن هنا زيارة، لسنا ملاكاً. فأين هم الملاك؟ أين الأرقام التي يتحدثون عنها؟ لا أجانب، ولا سياحة غفيرة، ولا أفواج، بل أعداد بسيطة تأتي ليومين أو ثلاثة ثم تمضي.
عندها بدأت أوقن أن المسألة كلها وهم. فقاعة. إشاعة يرددها الناس حتى يصدقوها. تماماً كما يفعلون في الأوكازيون حين يكتبون: "الحق، آخر شقق، المكان محجوز بالكامل"، ولا حجز هناك ولا أحد اشترى، إنما هي حيلة ليجعلك تظن أنك متأخر، فتسرع لتشتري.
أظن أن ما يحدث هو أن شركات تبيع لبعضها، أو رجل يبيع لنفسه، وأرقاماً على الورق وتقديرات وهمية وقروضاً بنكية، لا أكثر.
أما على أرض الواقع، فأن تجد إنساناً غنياً حقاً، تشعر أن معه مالاً حقيقياً فائضاً عن حاجته، فهذا ما لم أره قط.
إن هذا الكائن الذي يسمونه "اللي معاه" ليس موجوداً. هو كالعنقاء والخل الوفي، نسمع به في الحكايات، ولا نلقاه أبداً.