١٢ مليون دقيقة

​منذ منتصف عام ٢٠٠٢، وعقارب الساعة لا تدور في معصمي، بل تدور في رأسي.. تنهش ما تبقى من سكينتي بانتظام مريض. كنتُ مراهقاً حين بدأ العداد، وسرعان ما أدركت الفخ اللعين: في العمل، أنت ترهن دقائقك لغيرك فتتمنى لو أنها ترحل وتذوب، وخارج العمل، ترهنها لنفسك فتتوسل إليها لكي تتمدد وتتثاءب. وبين هذا وذاك، اكتشفتُ أن الزمن ليس محايداً، بل هو سجّان يعرف متى يركض ومتى يتوقف ليخنقك.

​اليوم، وأنا أقف على مشارف الأربعين، لا أسترجع سنواتي كأعوام، بل كـ ١٢ مليون دقيقة. رقم هائل، أليس كذلك؟ لكنه رقم مخادع كسراب. أنا لا أتذكر من هذا الأرشيف الضخم انتصاراتي التي يصفق لها الناس، بل أتذكر "الثقوب" الصغيرة؛ تلك الدعوة المرفوضة لكوب شاي، ذلك الطلب التافه الذي سألته وقوبل بالصد ليدمي كبريائي. أدركتُ متأخراً أن الحياة لا تُبنى من المعارك الكبرى، بل من تلك الدقائق المهدرة التي رفضنا أن نعيشها. يأتيني السؤال الوجودي الحارق: هل نجحتُ فعلاً؟ أم أن نجاحي هو فشلٌ مُغلّف في نظر شخص آخر؟ وهل إخفاقاتي كانت هزائم، أم انتصارات لم يفهمها أحد سواي؟ لا يهم. الأهم هو ما يخبرني به هذا النبض اللاهث: أنني لا أملك يقين الناجح ولا عزاء الفاشل، أنا فقط رجلٌ استنزفه "العدّ".

​لقد اكتشفتُ قانوناً فيزيائياً مرعباً لكتلة الألم: الدقيقة الجيدة "ريشة"، عديمة الكتلة، تتبخر في لحظتها ولا تترك أثراً يحمينا من هجير القادم. أما الدقيقة السيئة فهي "رصاصة" تملك جاذبية عملاقة؛ إنها لا تمر، بل تسحب خلفها رهائن من مستقبلنا. تأملوا "ثانية الاصطدام" في حادث سير؛ غلطة واحدة في دقيقة واحدة، لكن هذه الدقيقة الواحدة لا ترحل؛ إنها تلدُ آلاف الدقائق المشوهة بداخلها. تأسر خلفها ساعات من الانتظار المرير، وأياماً من التسكع في ورش التصليح، ودهوراً من البحث عن قطعة غيار، وأسبوعاً كاملاً من رائحة الصيدليات وانتظار الأطباء. دقيقة واحدة "سيئة" قررت أن تسرق الآلف الدقائق من عمرك القادم كضريبة على هفوتك.

​لماذا نعدُّ الدقائق؟ ربما لأننا ندرك أن ساعة العمر ستتوقف حتماً. لكن حتى قرار الاستمتاع يبدو ساذجاً؛ فكيف تستمتع ومنغصات الحياة تتربص بدقائقك الممتعة لتقلصها؟ أنا لا أعدُّ الدقائق لأعرف كم عشت.. أنا أعدُّها لأعرف كم سُرق مني، ولأنتظر اللحظة التي يتوقف فيها هذا العقرب الملعون عن ملاحقة روحٍ أنهكتها الأرقام.