صديقي الجديد
قبل فترة دخلت أكاديمية جديده لدراسة الدبلوم المتقدم في اللغة الإنجليزية.
غمرني شعور بالدهشة والإعجاب؛ فقد بدا لي النظام الأكاديمي صارمًا، ومنهج التدريس متقنًا، يوحي بالجدية ويعد بالكثير. غير أن ما استوقفني حقا، ولم يكن في الحسبان، هو أحد الطلاب.
كان شابًا لامعًا، من أوائل الجمهورية، يتسم بذكاء حاد، وسرعة بديهة لافتة، يجيب عن الأسئلة بدقة محكمة، مستندا إلى اجتهاده وعقله المتّقد. بدا وكأن القاعة تنصت له كلما تحدّث، وكأن الإجابة تولد على لسانه قبل أن يكتمل السؤال.
غير أن القصة لا تبدأ من هنا.
في أول يوم لي في تلك الدورة التي جمعتني به دخلت القاعة وجلسـت صامتًا أراقب المشهد. كطالب جديد، لم يكن بحوزتي كتاب بعد، وحين كلفنا الأستاذ بنشاط دراسي، وجدت نفسي أجلس إلى جواره. بدأنا نحلّ النشاط معاً، تبادلنا الآراء ناقشنا الإجابات، ومن تلك اللحظة وُلد تعارف بسيط سرعان ما تحوّل إلى صداقة.
وبحكم طبيعتي الاجتماعية، لم أتأخر في بناء علاقات مع من حولي، لكن هذا الشاب كان الأكثر قربًا. صرتُ أحرص على الحضور دوماً ، نجلس ونتبادل المعلومات، نخوض نقاشات متعددة، ونتنقّل بين موضوعات شتى، علمية وفكرية وثقافية. ومع مرور الأيام، ازددتُ قناعة بأنني أمام إنسان فطِن، يتجلى ذكاؤه في مشاركاته الصفّية وحضوره الذهني.
وفي أحد الأيام، سأل الأستاذ:
من منكم لديه مهارة في الإلقاء؟
رفعت يدي بثقة، وهو كذلك فعل.
طُلب منا أن نظهر مهاراتنا، استعدادًا لمسابقة تجمع نخبة من طلاب ، وكان الإلقاء باللغة العربية. شعرتُ بحماسٍ كبير؛ فالمنافسة كانت قوية، والفرصة ثمينة.
لكن دهشتي كانت أعظم حين اطّلعت على مواضيع الإلقاء.
كانت مواضيع طائفية خرافية، لا أؤمن بها فكرًا ولا أقبلها مبدأً. دون تردد، قررتُ الانسحاب. غير أن الصدمة كانت حين علمتُ أن صديقي وافق على المشاركة.
قلت له بدهشة ممزوجة بالقلق:
هل تدرك خطورة ما تقول؟
أجابني بثقة متعالية.
أنت تُبالغ يا عدنان. أنت من قلت إنك الأول في الإلقاء منذ أيام المدرسة وإنك الأفضل في أي مكان تذهب إليه. وفي النهاية أنت من تراجع قبل أن تبدأ المسابقة.
قلت له بهدوء.
كنتُ سأتحدث عن موضوع ينفعنا، يوسّع معارفنا، يصقل مهاراتنا، وينمّي خبراتنا. أمّا موضوعٌ يثير الشك والانقسام، فلن أشارك فيه
سألته مجددًا
أتعلم خطورة ما ستلقيه؟
قال بلا اكتراث
لا يهم المهم أن أحصل على فرصة للمشاركة في أي مسابقة.
قلت له
حتى لو كان مخالفًا لقناعاتك وانتمائك؟
قال:
لا يهم.
في تلك اللحظة، أدركت حقيقة عميقة
أن في هذا العالم الكثير من الأذكياء والمجتهدين، لكن القليل فقط هم الواعون.
وأدركت أن الوعي هو الأهم… هو الأقوى من الذكاء.
فالذكاء قد يكسبك شيئًا، لكنه قد يكلّفك أشياء كثيرة.
أما الوعي، فلا يزيدك إلا نضجاً، ولا يثمر فيك إلا بصيرة
ويمنحك القدرة على رؤية العالم من أفقٍ أوسع وأكثر إنسانية...
اسعد الله أوقاتكم بكل خير أحبتي الكرام..🤍
عدنان الورشي
التعليقات
الوعي نعمة كبيرة طبعًا، ولكن أنا لا أعلم رؤية الزميل، هل مثلًا المسابقة كان لها مكافآة محددة والزميل يريدها؟ الفكرة أن الوعي له ضريبة كبيرة، منها خسارة البعض والانعزال عنهم، ومنها تضارب مصالح في العمل، ومنها اختلافات قد تؤدي لمشكلات كبيرة للأسف، الفكرة هي معرفة كيفية التعامل مع هذه الضرائب، والتكيّف فيما يناسب حياتنا ولا يؤذينا أيضًا.
أحييك على اختيارك رفض المشاركة في مثل هذا الحدث، أنت هكذا تؤد الفتنة قبل أو تولد وتنظر للمنفعة العامة وليس لمنفعتك الخاصة.
قد يتصور صديقك أنه هكذا يحقق النجاح، لكن في الحقيقة على حساب ماذا؟ النجاح في هذه الحالة خسارة، وخسارة كبيرة للنفس والمبادئ قبل أي شيء آخر. النجاح الحقيقي ليس بالدرجات والمراتب ولكن أن نفعل ما يفيدنا نحن وغيرنا وما فيه إرضاء لربنا قبل أي شيء.
صراحة قد يكون موقفه بسبب ان تلك المسابقات والأنشطة تجعله يطور من نفسه سواء في الالقاء او غيره، أو قد يستفاد من معلومات ما حتى وإن كانت خرافية، الفكرة قد تكون دائماً في التجربة، وأن هناك الكثير من الأشخاص التي لا ترفض التجارب حتى وإن كانت مخالفة لما يعتقدوه، ولا يُريدون أن تضيع عليهم اي فرصة.
في تلك اللحظة، أدركت حقيقة عميقةأن في هذا العالم الكثير من الأذكياء والمجتهدين، لكن القليل فقط هم الواعون
نعم صدقت يقول أحدهم : متى ندرك ان هناك فرق بين التعليم وبين الذكاء وبين التعليم والحكمة،تستطيع أن تحصل على شهادة الدكتوراة وتبقى أحمق ...
وعلى فكرة اليوم لم يعد هناك شي اسمه وعي أو مبادئ ولكن هناك شي اسمه المصلحة والمادة ودائماً الوعي والمبادئ تنهار عند المادة وعند المصلحة إلا من رحم الله وقليل ماهم.