الجسد يعرف… وأنا أتعلم

لم يكن ما أعانيه مرضًا واضحًا، بل إرهاق داخلي صامت. توتر في الرقبة، أنفاس سطحية، خفقان مفاجئ، طنين خلف الأذن، وإرهاق لا يزول بالنوم. العقل يبحث عن تفسير واحد، والجسد يروي حكاية أطول وأكثر تعقيدًا.

مع الوقت فهمت أن ما أشعر به ليس خللًا، بل استجابة جهاز عصبي عاش طويلًا في حالة تأهب دائم. العصب الحائر، ذلك المسار العصبي الصامت، يحاول إعادة التوازن. حين يُرهق، يفقد الجسد قدرته على الهدوء، حتى في أوقات الأمان.

القلق والخفقان والإرهاق ليست أعداء، بل رسائل: جسدي يحاول حمايتي. الفهم وحده لا يكفي، الجسد يحتاج تجربة الأمان، لا كلمات العقل. التنفس البطيء، الحركة اللطيفة، ولحظات الهدوء القصيرة، تعلمه أن الخطر انتهى.

اليوم، لم أشف بعد، لكني أتعلم: الجسد لا يبالغ، ولا يخون. ما أعيشه ليس نهاية المعاناة، بل بداية علاقة جديدة معه. الإصغاء بدل السيطرة، والرعاية بدل التحمل. الاعتراف بالتعب فعل وعي، لا ضعف.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الأمر مرهق للغاية وفكرة أن نشعر بالتعب ولا نعرف السبب قد تسبب لنا القلق وقد تأخذ تفكيرنا بعيدًا للأسوأ، لذلك من الأفضل الذهاب لطبيب لعمل كشف طبي وبعض الفحوصات للتأكد أنه لا يوجد سببًا عضويًا آخر وراء ذلك الشعور.

لكن من الجيد أنك تصغين لجسدك ولا تتجاهلين رسائله.

أعتقد السبب نفسي أكثر من جسدي. تغيير الجو وكسر الروتين اليومي وممارسة أنشطة مريحة للجسم والعقل سيفيدها أكثر من زيارة الطبيب التوتر والإرهاق لا يظهران في الفحوصات الطبية مع روتين جديد وتجربة هدوء الجسد يهدأ ويتوازن تدريجيًا.

كثير من الأمراض العضوية تسبب مشاكل نفسية فلو أخذنا كمثال نقص بعض المعادن قد يسبب حالات ذهان واكتئاب، وزيادة إفراز بعض الغدد قد تسبب قلق وتوتر وغضب شديد، حتى المنبهات تؤثر في النفسية بالإيجاب والسلب، استبعاد الأسباب العملية خطوة أهم من استبعاد الأسباب النفسية.

لا أنكر أن نقص بعض العناصر أو اضطراب الغدد يؤثر في النفسية. لكن ليس كل توتر أو إرهاق سببه تحليل غير طبيعي. غالباً يكون السبب ضغط نفسي طويل وهذا ما اشارت له عزيزتي فاطمة لذلك قولت أن كسر الروتين اليومي سيفدها جداً. الاطمئنان الطبي خطوة جيدة لكن تغيير نمط الحياة وتهدئة الجهاز العصبي هو الاهم المشكلة في طريقة العيش نفسها.

أقول أننا قد نخطئ التشخيص ونظن أن الإرهاق النفسي هو سبب المشكلة ونكون مخطئين في ذلك، خصوصاً لو تزامنت المشكلة الجسدية بعد أحداث نفسية مرهقة، من الجيد استثناء الأسباب الجسدية قبل النفسية.

لكن كيف ستتأكد أن السبب نفسيًا فقط وليس عضويًا؟ أو أن سبب النفسية السيئة ذاتها ليست عرضًا لمشكلة عضوية؟ زيارة الطبيب أفضل للاطمئنان في هذه الحالة.

لا يمكننا التأكد بنسبة 100%، لكننا نستطيع تقليل الاحتمالات بشكل كبير عبر الفحوصات الأساسية.. استبعاد الأسباب العضوية (الدرقية، الأنيميا، نقص الفيتامينات خاصة D/B9/B12، الالتهابات المزمنة..الخ) يعطي راحة بال تجعل التعامل مع النفسية أسهل لاحقا.

ما المقصود بالالتهابات المزمنة هنا؟🤔

الالتهاب الحاد عادة يأتي بأعراض واضحة تجعلنا نتجه للمشفى فورا، لكن الالتهاب المزمن في كثير من الحالات يكون بطيء وغير ملاحظ، إما نكتشفه بعد حصول تليف نسيجي داخلي حقيقي يؤثر على نمط حياتنا، أو احيانا يكتشف كسبب ثانوي لأمراض اخرى كأمراض الامعاء والقلب.. او حتى صدفة، او في بعض الحالات تحدث موجات حادة للالتهاب المزمن مما يجعلنا نكتشفه خاصة التهابات المفاصل أو الأمعاء لأنها تُحدث أعراضا واضحة عند التهيّج.. اسبابه قد تكون عوامل خارجية مثل التدخين او الكحول او جرعة ادوية زائدة، لكن خطورته تكمن في بعض أنواعه مثل أمراض المناعة الذاتية وهي نوع خاص من الالتهاب المزمن، تجعل مناعة الجسم في نشاط دائم وطويل الأمد نتيجة خلل في التعرّف المناعي على بكتيريا ما أو جرثومة، فتبدأ بمهاجمة أنسجة الجسم نفسها، وقد يحدث ذلك أحيانا ايضا بسبب تشابه جزيئي بين بعض هذه الميكروبات وأجزاء من أنسجة الجسم.

القلق والخفقان والإرهاق ليست أعداء

أحياناً تختلط الأعراض الناتجة عن النفسية مع الأعراض الناتجة عن مرض عضوي، وعندما نرجح أن الأعراض سببها نفسي تفوتنا حقيقة مهمة وهي أن المشاكل العضوية تؤثر تأثيرات تظهر كأنها نفسية، لذلك لابد أن نستبعد الخلل العضوي أولاً، عندما نقول خفقان القلب والقلق يتبادر لذهننا مشكلة في الغدة الدرقية، فلو استثنيناها أولاً واستثنينا الأنيميا كمثال سبب للإرهاق، يمكن أن نفكر وقتها في السبب النفسي.

شفاكِ الله وعافاكِ، أصبتِ فالحسد حقاً لا يبالغ، بل هو رد فعل لما يعيشه الإنسان داخله، من تقلبات وتغيرات، وكل ذلك يظهر في هيئة صرخات يصرخها الجسم حتى ننتبه مما يحدث داخلنا.