ما سأقوله في هذه الأسطر ليس أكثر من رأي شخصي، أو بالأحرى ملاحظة راودتني مؤخرًا، ورغبت في التعبير عنها كما هي، دون مبالغة أو تنميق.
أنا فتاة أعيش في زمن يفيض بالمؤثرات الرقمية، وأعترف أنني أتأثر بمواقع الإنترنت أكثر مما ينبغي. أعرف الكثير عن المشاهير والفنانين، وعن المسلسلات والأفلام، وحتى عن الشخصيات التاريخية والأحداث السياسية والثقافية في العالم. أمتلك كمًّا من المعلومات لا بأس به، تعلمته فقط من الهاتف، رغم أنني لست من الطلاب المجتهدين في المدرسة.
قد أسمي هذا النوع من المعرفة بـ"العلم الموازي" — علمٌ ليس مصدره الكتب الدراسية، بل الشاشات الصغيرة.
علّمني الهاتف عن ثقافات الدول، وعن آخر الأحداث في السياسة، وعن القوانين والهوايات والعادات، وأكسبني شخصية مختلفة تمامًا عن تلك التي أعيشها في الواقع.
لكنني اكتشفت مع الوقت أن هذا الأمر لا ينطبق على الجميع ممن هم في سني.
فالكثير من المراهقين — بل وحتى بعض الكبار — يستخدمون الهاتف من منطلق الإعجاب الشديد بـ"مؤثر" أو "فنان"، فينتهي الأمر بهم إلى التأثر الكامل بما يقدمه.
يتحول الإعجاب إلى تبعية، والتسلية إلى اقتداء أعمى، حتى يفقد الإنسان توازنه العقلي شيئًا فشيئًا.
أعرف أشخاصًا أصبحوا مهووسين بشخصيات معينة إلى درجة غير طبيعية؛ يراقبون تفاصيل حياتهم اليومية أكثر مما يراقبون أنفسهم.
يعيشون بعقولٍ مأخوذة، تؤمن بأن الطريق الصحيح في الحياة هو أن يصبحوا نسخة من "قدوتهم" في المستقبل.
صحيح أن كلمة "قدوة" لا تحمل معنى سيئًا في الأصل، لكنها — أحيانًا — تتحول إلى خطأ إذا لم نحسن اختيار من نقتدي به.
على سبيل المثال، هناك من أصبح مهووسًا براقص أو راقصة، حتى بات يحلم بأن يصبح راقصًا هو الآخر.
والمؤسف أن نصف هؤلاء الأشخاص من المسلمين، يتأثرون بأفعال وأفكار أشخاص لا يشاركونهم دينهم أو قيمهم، ومع ذلك يتقمصون سلوكهم وكأنهم النموذج الأمثل للحياة.
والملاحظة الأدق التي لاحظتها كانت قبل أسبوع فقط، في المدرسة.
أستاذ الرياضيات سألنا عن مهنة أحلامنا.
لاحظت شيئًا مثيرًا للاهتمام:
الذين قالوا إنهم يريدون أن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو معلمين كانوا جميعًا من الطلاب المجتهدين، أولئك الذين يهتمون بدراستهم فعلًا. بل إن نصفهم لا يملك هاتفًا من الأساس، لأننا لا نزال مراهقين.
أطلقت على ذلك "الفطرة السليمة" أو "العقل الأصلي السليم"؛ ذلك الذي لم تفسده المؤثرات الرقمية بعد.
أما القسم الآخر من الطلاب — أولئك الكسالى الذين لا يحبون الدراسة — فقد اختاروا مهنًا غريبة نوعًا ما: الرقص، الغناء، التمثيل... وغيرها من المهن التي لا بأس بها في حد ذاتها، لكنهم اختاروها ليس بدافع الشغف الحقيقي، بل لأنها المهنة التي يمارسها الشخص الذي يعتبرونه "قدوتهم".
لكن، ما هي القدوة حقًا؟
القدوة ليست الشخص الذي يعجبك شكله أو أسلوبه، بل هو من يترك فيك أثرًا صالحًا، من يُلهمك لتكون نسخة أفضل من نفسك، لا نسخة أخرى منه.
والأجمل من ذلك أن القدوة لا يلزم أن تكون مشهورة.
قد يكون أخاك، أو صديقك، أو أستاذك، أو أحد والديك.
أما ما دعاني لكتابة هذه الأسطر فهو أنني لاحظت أن نصف جيلنا الحديث قدوته من الهاتف.
جيل بأكمله يعيش داخل شاشته، ينهل من مؤثرين لا يعرفون عنه شيئًا، ويقلدهم في كل شيء، حتى في ما لا يليق بعمره أو قيمه أو ثقافته.
وفي النهاية، أود أن أقول إنني أتقبل الاعتراض على ما كتبته، لأنني لا أفرض رأيًا على أحد.
ما كتبته مجرد ملاحظة عامة وتجربة شخصية من فتاة مراهقة لا أكثر،
قد أكون مخطئة، وقد أكون محقة في بعض النقاط، لكنني فقط أردت أن أشارك ما رأيته في هذا الجيل، الذي بات يرى في الشاشة مرآته، وفي الغرباء قدوته.
التعليقات