في الصباح الباكر، مشيتُ رفقة رمزي، إبراهيم ورائد في أرجاء المدرسة، ولجنا أماكن لم يتمّ تشييدها بعدُ، سرنا فوق الحجر، بين الأشجار، بينما كانت السحب ملبّدة بالغيوم والحرارة مُرتفعة، كأنّنا في سُويداء أوت.
كانت الحصّة الأولى عند الأستاذ خليف جيّدة، جلس عن يميني إسماعيل، تابعنا الشرح بشكلٍ جيّد، حينما يشكلُ علينا شيءٌ، نضع عقلينا فوق الطاولة ونفكّر، درسنا آلة تيورينغ Machine de Turing. وقتَها، ثقب هواء المكيّف ظهرينا، وقرصنا بردهُ. جلستْ عن يساري ندى، حاولتْ إثارة انتباهي أكثر من مرّة بشكلٍ بيّن، لا أعتقدُ أنّها فعلتْ ذلك عمدا، ربّما شخصيّتها المرِحة من جعلتْها تتصرّف. كانت حصّة نظام التشغيل كارثيّة، عبارة عن Text To Speech، تقرأ الأستاذة من صفحات العرض حرفيًّا، دونَ شرحٍ، حتّى أمسينا أنا ورمزي نُناديها TTS. مرّت الحصّة في كلّ الأحوال، كأيّ شيءٍ في الحياة، كان مهمًّا أو تافهًا.
هبطتْ قطراتٌ من المطر، انتشرَ بردٌ خفيفٌ، شرعتُ في شمّ رائحة التراب، وبدأتِ الرياح تُحرّك خصلات شعري القصيرة، حدث هذا وأنا أسيرُ رفقة إسماعيل ورائد، بالإضافة إلى يعقوب ماقسي، في الطريق من المدرّج إلى مطعم المدرسة، كان يعقوب يُحدّثنا عن السنة الثالثة، لم يخلُ حديثنا من النكت المتبادلة والبهجة. كانت ساره واقفةً مع أعضاء نادي CIS يُعرّفون الطلّاب الجدد بناديهم، حيّيتُها من بعيدٍ وأكملتُ سيري، فعلتُ ذلك في لمحة بصرٍ، لم أرَ ردّة فعلها.
ركبتُ في المقعد الأماميّ من سيّارة أبي إسماعيل، بينما ركب في الخلف رائد وأمير، شددنا طريقنا نحو المدرسة الوطنيّة متعدّدة التقنيّات. كان مسعود وإبراهيم قد انطلقا قبلنا بنصف ساعةٍ، سيرا على الأقدام، فالمسافة بين المدرستين هي ثلاثة كيلومتراتٍ ونصف تقريبًا، أي ما يعني خمسون دقيقةً مشيًا. اشتدّت الرياحُ في الخارج، سقط المطرُ بغزارةٍ، وتسلّل البردُ إلى داخل السيّارة، تحكّم إسماعيل بشكلٍ جيِّدٍ فيها، كنتُ أنبِّههُ في تفاصيل الطريق، بينما كان رائد خلفنا يتّبعُ المسار عبر Google Maps.
وصلنا إلى المدرسة على الواحدة بعد الظهيرة، تمكّنتْ منّا الأمطار، لذلك شددنا طرفًا تحت إحدى البنايات القديمة القريبة من المدخل الرئيسيّ، وبقينا ننتظرُ هدُوء السماء، بينما نثرثرُ. لحق بنا يونس صديق مسعود قادمًا من المدرسة العليا للفلاحة. اغتمنتُ تراجع المطر وسألتُ إحدى الطالبات هناك عن مقرّ نادي CVE، بعدما (بالكاد) وجّهتني إليه، قدتُ المجموعة كلّها إلى المكان، عادت السماء إلى بُكائها الغزير، لم ترحمنا هذه المرّة، لذلك أضحينا كعصافير تبحثُ عن عُشّها الآمن. لم أجد المقرّ، كانت البنايات العتيقة تحصرنا من كلّ جهة، والطرق الصغيرة تُؤدّي إلى أماكن متشابهة، كأنّها متاهة بورخيس.
وجدتُ مكتبًا مفتوحًا لجمعيّة ما (نسيتُ اسمها)، لقيتُ بداخله طالباتٍ يتناولن الغداء، سألتُ إحداهنّ عن مقرّ النادي المنشود، فأخبرتني بأنّ المساحة التي يقبعون فيها هي مقرّ النادي القديم: «لكن يُوجد مقرّ جديد يقعُ أمام (نسيتُ)» عقّبتِ الأنثى، «وأين يوجد هذا الـ (نسيتُ)؟» سألتُ. فجأةً، دخل ذكر يحملُ مظلّة إلى المقرّ، أمرتْهُ الطالبة بأن يُرشدني إلى المكان: «هاه، جا زيد، أدّيه للـ (نسيتُ)». مشيتُ معهُ وأنا بالكاد أحتمي تحت مظلّته، مُشيرًا إلى ستّة أشخاص خلفي ليتّبعونا. في الطريق، سألني عن سبب بحثي عن المقرّ الجديد، أخبرتُه بأنّنا قادمون لاستلام جوائز مسابقة GameJam24 التي شاركنا فيها هذا الصيف، فتعجّب. أخبرني بأنّهُ «زيد - Zayd» أحد منظّمي المسابقة، والشخص الذي تحدْثتُ معهُ أنا أمس كي أسأله عن التوقيت. عرفتُ أنّه من نفس سنة مولدي، يدرس بالسنة الثالثة، حاولتُ التودّد إليه، كي أجعلهُ الوسيط الذي يوجّهنا وسط الغرباء الذين سنُقابلهم. صرّح بأنّهُم لم ينتظروا قدوم أحد، خاصّة مع تلك الأحوال الجويّة الكارثيّة، زاد في كلامه وقال لي هامسا في أذني: «لقد حدثتْ مُشكلة! لم نحصل على الجوائز بعدُ! سنلتقطُ الصور، نُقدّم لكم الشهادات وحسب. آمُل أن تتفهّم وتُخبر زملاءك بذلك».
هدأتِ السماء، ولجنا ساحة صغيرةً، تتوسّطها أشجارٌ فارعة وكراسٍ خشبيّة، وتحدُّها من ثلاث جهاتٍ البنايات، كان الصمتُ مُطبقًا، تقطعهُ زخّات المطر. لقد تذكّرتُ أجواءً من طفُولتي، عودتي أيّام الثلاثاء الشتويّة من المدرسة الابتدائيّة والصعود إلى منزلنا بالطابق الثاني مُرورًا بالـ «السحين». انتظرنا ما يُقارب العشر دقائق نُثرثر خارج المقرّ، بينما كان أعضاء النادي يُجهّزون لاستقبالنا بالداخل. أخبرني سمير (الذي يكبرنا بعامٍ) عن سوء تنظيم الحفل، خاصّة بعدما جِئتُهُ بنبإ غياب الجوائز، كنتُ أحادثهُ باستخدام النكت، لكنّه لم يكُ يفهمها، شعرتُ وكأنّي أحادثي رجُلًا آليًّا. كان المقرُ جميلًا بالداخل، يُشبه تمامًا ما رأيتُه في مساحات العمل والراحة بالشركات التقنيّة الكُبرى، عرفتُ فيما بعدُ أنّ المقرّ ليس خاصًّا بالنادي، بل هو «مخبرٌ» كما سمَّوهُ لي، تابعٌ للمدرسة نفسِها. جلسنا فوق كراسٍ حمراءَ مريحةٍ، تصفّحتُ المكان بعنايةٍ، رأيتُ في وجوه الحاضرين، وتبادلتُ الحديث أكثر مع سمير. نُودي علينا، استلمنا الشهادات، التُقِطتْ لنا صورٌ، حدث ذاتُ الأمر مع الفائزين الآخرين، التقطنا بعدها صورا جماعيّة وفرديّة، ثمّ فُتحت «الحفلة» على مصراعيها: تحدّثْ مع من تُحبّ، اسأل ما شئت، وتحرّك كما يحلو لك. خاطبتُ صاحب المرتبة الأولى، طالبُ سنة ثالثة للإعلام الآلي بجامعة المدينة، تبادلنا الخبرات، والمشاريع التي عملنا عليها. تقرّبتُ من زيد أيضًا، عرفتُ بأنّه من روابة، درس مع لاميا، التقطتُ معهُ صورةً برفقة قميص برشلونة نسخة موسم 2016-2017 (نعم، يوم رفع ميسي قميصه إلى جماهير ريال مدريد، مُخبِرًا إيّاهم أنّه «الأعظم»)، قلتُ لهُ مازِحًا في النهاية: «ستُحضر لي الجوائز إلى محطّة قطار روابة!». كنتُ، ولسببٍ ما، يعلمهُ الشيطان وحدهُ، أتبادل نظراتٍ ثاقبة مع الإناث، اللائي كنّ يقبعن في ركن المختبر.
في طريق رجوعنا إلى السيّارة، مررنا على مكتبة المدرسة، كانت مكتبة كبيرة مقارنة بالتي لدينا في وادي الحجّار، مُريحةً، ومزوّدة بالحواسيب، أخبرني أمير: «لو كنتُ طالبًا هنا، لن أحضر أيَّ محاضرة، لأنّني ببساطة لن أخرج من هذه المكتبة!»، كانت ظُرُوفها حقًّا تحثُّ على الدرس. ولجنا مبنًى يُقابل المكتبة، سألتُ أحد الطلّاب عنهُ، أجابني بأنّهُ قسم الهندسة المدنيّة، كان المبنى أبيضًا من الخارج، مصبُوغًا بلونٍ أصفر في جوانبه، ابتلعتنا بابه الخارجيّة البُنيّة إلى جوفه، اندهشنا من تصميمه الداخليّ، كان - حرفيًّا - نسخةً طبق الأصل من عمارات خالف بنخالف وسط العاصمة، بلاطٌ أبيضٌ وأسودٌ، سقفٌ عالٍ، ضوءٌ يدخل من شُرفٍ مقوّصة، تطلُّ على الحدائق الخارجيّة، وسلالمٌ حلزونيّة مرميّة في اليمين واليسار، تُؤدّي إلى مكانٍ واحدٍ: الأقسام. حينما خرجنا منهُ، تقدّم مسعود، إسماعيل، إبراهيم ورائد، بقيتُ مع أمير وبوعة (طالب الجامعة)، دخلنا ورشة الهيدروليك معًا، كانت خاليةً، تحدّها الظلمة في الجوانب، تُشبه مصنعًا مهترئًا من مصانع أفلام الرعب الأمريكيّة، تتوسّطها أنابيبٌ عملاقة بصنابير ضخمة. في رحلتنا، وسط الدهشة، قال مسعود: «نحنُ نتدارس بالمدرسة الدنيا للإعلام الآلي - École Inférieure d'Informatique».
خنقتنا الطريق المزدحمة بالسيّارات في طريق العودة، كانت السماء تُقطّرُِ، ثمّ تتوقّف، تمّ تعُود، كنّا في كلّ مرّة نقول: «لن نلعب كرة القدم»، ثمّ: «لا! سنعلب». غيّرتُ ملابسي في مرحاضٍ ببنايات المدرسة الجديدة، التي لم تعُد شيئًا في أعيُننا بعدما رأينا ما رأينا. لعبتُ لأوّل مرّة - بعد زمنٍ طويلٍ - بحذاءٍ رياضيٍّ خاصّ بي، كان الجوّ ممتازًا لمُباراة كرة قدم، ريحٌ خفيفة، بردٌ محبُوبٌ، وقطراتٌ حنينةٌ من المطر، لم أنزلق، لأنّ شُوك الحذاء الرياضيّ انغرس بالعشب الاصطناعيّ. لعبتُ، تعرّقتُ واستمتعتُ، استنتجتُ بأنّه يجبُ عليّ أن أقوّي تسديداتي بقدمي اليُمنى، وأن أطوّر لعبي بقدمي اليُسرى، حتّى أصبح لاعبًا أفضل.
رجعتُ إلى المنزل في وقتٍ متأخّر رفقة مسعود، كانت أرضيّة محطّة القطار مبلّلة، تنعكس فيها أضواء غروب الشمس، قبل السابعة مساءً. حدّثني مسعود عن الطيبة المُصطنعة التي كانت تدور في أرجاء المخبر، وقت استلام الشهادات، كيف أنّ الناس تصطنعُ الاهتمام بغيرها، للتعّرف عليهم وتحقيق فرصة الاستفادة منهم، تحدّثنا عن Networking الزائف، عن النفاق، وعن أشياء أخرى. بعدما وصلنا إلى الرغوة، تحدّثنا أكثر حتّى الثامنة ونصف، كنّا نسأل أسئلة كبيرة، ولا نحاول الإجابة عنها، التقينا برمزي وهو عائد من تمرينه بقاعة كمال الأجسام، أوصلتُ رفقته مسعود إلى بيته. وجلتُ البيت - مُنهارًا - على التاسعة ونصف ليلًا.
لم تُعاتبني أمّي في الأوّل، بالعكس، استقبلتني بشُوشةً، خاصّة حينما أريتُها الشهادة من المدخل. لكنّني كنتُ أعلمُ في قرارة نفسي أنّ ما فعلتُه خاطئ، لأنّ أسرتي انتظرتني كلّ هذه المدّة للعشاء وهي قلقةٌ عليّ، ثمّ متى سآكلُ أنا؟ ومتى سأغسل؟ ومتّى سأرتّب أموري ليوميّ الجمعة والسبت؟ لقد رجعتُ، وأنا أحملُ بداخل محفظتي لأكثر من ثلاثِ ساعاتٍ قميصًا وسروالًا مليئين بالعرق، إضافةً إلى حذاء، من سيهتمُّ بكلّ هذه الأمور؟ فكّرتُ في كلّ هذا وأنا أغتسلُ. حدّثتُ أسرتي على طاولة العشاء عن مغامرتي، من زيارة المدرسة متعدّدة التقنيّات إلى لعب كرة القدم، لكنّ ما فعلتُه خطأٌ، كنتُ أعلم وأنا أقصُّ لهم بأنّه خطأٌ فادحٌ، يجبُ أن لا أتحدّث، أن أحيى صامِتًا. قبل أن أنام، انهارتْ عليّ أمّي بالتوبيخ، كان أغلبُ ما ذكرته صحيحًا، وهو نفسه ما فكّرتُ بٱنّه خاطئ حينما دخلتُ البيت، لكنّها بنتْ على ما قصصتُه عليهم استنتاجاتٍ خاطئة: أنا أعيشُ حياة طائشة، لا أدرسُ، أقدّس زملائي، أتسكّعُ معهم وألعبُ. أفعلُ كلّ هذا يوميّا! يا للعار!
يجبُ أن أصمت. أن أحيى، مخبّئًا حياتي عن نفسي. أنا أحمق.
التعليقات