في محكمة الضرر النفسي، يقف الجميع بانتباه وذهول.. بينما تقف الضحية ببرود.. تريد الثأر.. ولا شيء يملئ عينيها غير الثأر..
بينما.. خالتها ووالدتها تقفان بحقد.. تريدان التبرأ منها كابنة لهما كانت في يوم ما..
وتريدان إثبات أن الضرر النفسي سببه جنونها الوراثي الذي ولدت وهي تحمله إلى حياة ميتة..
بريئتان في نظر نفسيهما.. جلادتان في نظرها..
لا أحد يعرف الحقيقة، بما في ذلك الطبيب النفسي الأحمق.. الكل متفاجئ من نوع القضية أكثر من فضول معرفة البراءة أو الإدانة..
يبدأ القاضي الجلسة، فيجلس الجميع تحسبا، تحسبا لاي كلام قد ينفلت من اطراف القضية..
هم لن يفوتوا اي كلمة من شأنها ان تصبح علكة يتداولونها باسم هذه القضية التي ألغت قداسة الأم والدرجة الثانية من الأم...
يستمع القاضي كبداية للضحية.. الباردة.. وكأنها تريد خسارة الحياة والأمل فيها، هي تدرك هذا لكنها تستمر.. لأن استمرارها مرهون ببداية جديدة.. قد تغرقها أو تنجيها..
القاضي: لماذا انتِ هنا؟
الفتاة: لأنني مجنونة
القاضي: ماذا تقصدين؟
الفتاة: سيدي القاضي.. هل ترى الرزانة في عيناي؟ هل ترى الرزانة في تصرفي هذا؟
القاضي: لكل قضية سبب، أخبريني بسببك..
الفتاة: عشت طفولة سيئة.. كثيرة الصدمات.. مع ردود فعل أدت إلى اختلال توازني واستقراري النفسي، مع مساعدة أمي وخالتي في ذلك..
سأبدأ من أمي..
اقنعتني في سن السادسة أنه يمكنني إنقاذ العالم من الحروب بالعلم.. لم يكن هذا نبيلا منها.. بل استغلالا لبراءتي التي كانت تحت صدمة موقف عشته مع أستاذني المتوحشة...
استغلت موقف رؤيتي الحرب أول مرة على التلفاز لتقنعني بذلك..فأنا كنت خائفة من المدرسة ولا استطيع الدراسة بسبب هذا الموقف...
فزرعت في قلبي هدفا زائفا لتحصل في النهاية على فتاة جامعية وذكية.. هدفا عنوانه "تعلمك ينقذ العالم من الحروب"..
لا أدري.. هي كانت تعلم أنني سأتوظف بعد الجامعة إن تخرجت ومن ثم سأتزوج إن قدر الله لي ذلك، كيف تقول لي هذا الكلام؟! انا فتاة في النهاية.. من سأنقذ ومِن مَن يا سيدي القاضي..؟
كبرت على هذا الاعتقاد لدرجة أنني أصبحت أرى عمليات الطرح والقسمة والجمع كسلاح في يداي.. بالغت في الطموح وتسارعت أفكاري وتخيلت أنني أحمل صولجان القضاء على الحرب بقوتي الدراسية يا سيدي القاضي..
أتعلم؟
هذا لم يكن كل شيء.. أبي رحمه الله كان مريضا بثنائي القطب، حصل على معاملة سيئة منها، وحرضتنا عليه لأنه كان لا يستطيع العمل، كانت تقول أشياء جارحة جدا عنه.. وكنت اصدقها لأنها أمي... ولأن الأدلة كانت ضده...
فعندما كانت تقول هو لا يحبكم فهو لا يبتسم لأجلكم.. نجده لا يبتسم حقا.. وعندما كانت تقول انه لا يرعاكم بشكل جيد لأنه غير مسؤول.. نجده نائما يا سيدي..
لكن.. عندما أصبت بثنائي القطب اكتشفت أن أمي كانت سيئة الظن وخسيسة ايضا، فابي كان لا يبتسم بسبب الاكتئاب، وكان ينام بدل العمل كي يقتل ثرثرة عقله بدل قتل نفسه حرفيا..
أتعلم؟
كبرت مشوشة وخائفة وخجلة من نفسي وأكره أبي بسببها... وفي نفس الوقت وبكل تناقض.. أرى أنني المنقذة للجميع بتعلمي...
هي لم توفر لي ما يلزم من أحضان معنوية.. وزرعت في عقلي أفكارا مختلة، هذا جعلني مضطربة عاطفيا ونفسيا.. ومشروع مريضة من البداية..
ثم..
عندما أعلن عقلي المرض وقلبي الاضطراب، بدل أن توفر لي دعما نفسيا على الأقل لطبيب مختص، قامت بارسالي لمنزل خالتي للتأكد من أن ما يحدث معي لم يكن سببه التنازل عن شرفي لرجل ما..
وهنا جاء دور خالتي... فأثناء تحقيقها حول موضوع الشرف.. وجدت شكوى ورفضا وعفنا في قلبي اتجاه أمي..
لكن.. عوض إصلاح الأمر.. والمسح على قلبي بالقبول والحب اتجاه امي، قامت بتحريضي عليها أو ربما هي فقط قامت بتوصيل نظام تشغيل المرض داخل عقلي.. أنا فعلا لا أدري..
القاضي: ماذا فعلت خالتك لم أفهم؟
الفتاة: قالت خالتي عندما شكوت لها من أمي، أنني أعاني من عين شريرة لم تعالج منذ صغري بسبب إهمال امي، ووصفت أعراض الزكام على أنها أعراض العين الشريرة..
ماذا تتوقع يا سيدي؟ كنت في السادسة عشر فقط.. انفلت عقلي لأنني بدأت اربط كل زكام حصلت عليه في حياتي، على أنه عين شريرة أصبت بها.. كرهت أمي بعمق فجأة وانهار عقلي..
أتعلم أين المشكلة؟
تركتني خالتي لنوبات الذهان لأيام حتى وصلت لدرجة الإغماء.. ولم تخبر أمي ولم تركض بي لطبيب عام حتى..
وبعد مرور أيام... أوصلتني المنزل.. تناولت مشروبا غازيا، تحدثت عن رغبتها في شراء ثلاجة جديدة.. وغادرت..
ثم...
بعد أن اكتشفت امي في وقت قدره مساء ليلة واحدة أن ما يحدث معي أكبر من قضية تحقيق في شرفي، ذهبت بي لاستعجالات الطب النفسي والعقلي في المستشفى الجامعي، فأخذت حقنة مضاد ذهان، وقاموا بارسالي لمختص خارج المدينة...
لكن.. خالتي تدخلت وقالت أن الطبيب المختص بعيد عن مكان منزلنا، لذلك سيكون من الأفضل أخذي لصديقتها المختصة في الطب النفسي والعقلي، صديقتها تملك عيادة في نفس المدينة التي نعيش فيها، وقالت يفضل عدم قول أنني كنت في منزلها لأنها لم تخبر صديقتها هذه أنها تملك منزلا في العاصمة، فبقي كل شيء طي الكتمان لسنوات..
اتعلم؟
يحزنني أن أمي لم تبذل الجهد الكافي لأخذي لطبيب خارج المدينة، ويحزنني انها صدقت خالتي بعد ان خرجت مجنونة من منزلها، يحزنني ان امي غير مسؤولة غبية، ونرجسية... ويقهرني أن خالتي ألعن منها..
كلتاهما تسبب في ضرر نفسي لي، دون الحديث على أن أمي تمارس الشعوذة بحجة الحماية من العين الشريرة... ثم تتوجه بكل نفاق لقراءة القرآن..
أنا يا سيدي... أملك من العفن ما يكفي بسببهما.. العفن الذي لم أكتشف وجوده حتى وانا وسط أوج المرض، بسبب ابتسامتهما الزائفة، اضطراب علاقتهما وتماسكها بالنفاق...
كذب قلبيهما... كذب تصرفاتهما عن شخصيتهما وحقيقتهما.. كل هذا.. جعل مني مختلة... مختلة عاطفيا وعقليا ومضطربة في توازن شخصيتي..
لا أدري هل ما قلته كافي..؟! هل ما قلته يعكس الحقيقة؟! لا أدري أنا مجنونة.. لسبب ما..
لكنني أثق في حكمك لأنك استمعت لي وستستمع لهما.. وترى الحقيقة بقلبك... فهل انا مدانة لا ضحية؟
القاضي: إن كنتِ لا تثقين فيما تقولينه وترين نفسك كشخص مجنون، لماذا فعلتِ هذا؟ ألتبتعدي عنهما؟ ماذا لو كانت مشاعرك خاطئة؟ هل أنت مستعدة لتقبل الإدانة؟
الفتاة: أنا فعلت هذا لأصل للحقيقة..
أنا أعلم أن الأم والخالة بالدرجة الثانية من الام، شيء مقدس لا يجب المساس به مجتمعيا.. بسبب الفهم الخاطئ للدين، وبسبب الأعراف التي تأخذ كل شيء بطريقة مبالغة..
أريد كسر هذا، لأسمح لنفسي وغيري بالكلام.. الكلام بدل خنق النفس والعيش كضحية طوال العمر..
وسواء كنت صادقة أو مجنونة أريد الوصول للحقيقة.. الحقيقة التي أحتاج لسماعها لا التي اشعر بها..
الحقيقة بعيون العدل لا عيون المرض..
التعليقات