بقلم: مريم دياب

مع دخولنا النصف الثاني من عام 2026، لم تعد التوترات في الشرق الأوسط مجرد أخبار عابرة، بل تحولت إلى محرك أساسي لأسعار الرقائق الإلكترونية واقتصاديات الطاقة العالمية

في مقالي السابق، ذكرنا أن الصين تعتمد في استيراد احتياجاتها النفطية على الخارج بنسبة تصل إلى 70%، ومن المهم توضيح أن 50% من هذه النسبة الإجمالية مصدرها المباشر هو الشرق الأوسط (الخليج وإيران). هذا النفط ليس مجرد وقود، بل هو المحرك الأساسي للمعدات العسكرية، والمصانع، ومراكز الذكاء الاصطناعي، وحتى المعامل التي تنتج وتختبر “رقائق الكربون” وأشباه الموصلات؛ فكل هذه المنظومة تحتاج لبترول مستمر لكي تعمل.

إن أي اضطراب في مضيق هرمز لن يرفع سعر برميل النفط فحسب، بل سيؤدي لشلل في سلاسل إمداد التكنولوجيا التي تعتمد عليها المصانع من شنغهاي إلى كاليفورنيا.

إن سقوط إيران في قبضة النفوذ الأمريكي المباشر يعني ببساطة أن طاقة الصين أصبحت تحت رحمة واشنطن. وفي المقابل، سيجد حلفاء أمريكا في الخليج أنفسهم في وضع استراتيجي جديد، حيث ستلعب أمريكا دور “الحامي” الذي أنهى التهديد الإيراني، إضافة إلى السيطرة على نفط إيران وفنزويلا، وإحكام قبضتها على ممرات الطاقة العالمية وعلى رأسها مضيق هرمز؛ مما يمنح أمريكا سلطة مطلقة في التحكم بحصص وأسعار النفط المتجه شرقاً بل وعالمياً.

هذا السيناريو سيمتد أثره لخنق الاقتصاد الصيني، وبالتأكيد لا ننسى تايوان؛ حلم الصين الذي سيصبح بعيد المنال وهي “مكتوفة الأيدي” بسبب نقص إمدادات النفط. الرهبة التي ستتركها أمريكا في المنطقة بعد إحكام قبضتها على إيران ستجعل الجميع يخشى مصيراً مشابهاً، مما يزيد من الاعتماد على أمريكا “القول والفعل” على أرض الواقع. هذا بالتأكيد سيضرب الصين في مقتل؛ ليس فقط في إمدادات الطاقة التي ستؤثر على إنتاجها واقتصادها، بل حتى بضائعها التي تغزو الشرق الأوسط سيتم استبدالها تدريجياً بمنتجات أمريكية، لأن المنطقة سوق استهلاكي ضخم سيعمل الجميع فيه على كسب ود “النجم الأوحد” أمريكا.

أما روسيا فستتأثر عسكرياً لأن إيران جزء من “اليد المصنعة” للسلاح الروسي المستخدم في أوكرانيا. وبالتأكيد ستعود أمريكا لفرض عقوبات أشد عليها ولن تتركها تتعافى بعد استنزافها لسنوات، والشرق الأوسط لن يعتمد على الروس بل على السلاح الأمريكي أكثر.

إن الانتصار الأمريكي في هذه المعركة يعني سيادة أمريكية لـ 50 سنة قادمة؛ فبالتأكيد أي خسارة مادية الآن هي “لا شيء” مقابل الربح بالغنيمة الكبيرة.

لكن، هل ستقف بكين وموسكو مكتوفتي الأيدي؟

بالطبع لا. إيران بالنسبة لهما “فرصة ذهبية” لخوض حرب استنزاف بالوكالة ضد أمريكا وحلفائها (بريطانيا والناتو). إن النصر في هذه المعركة — عبر صمود إيران — يمثل غنيمة كبرى تستحق أي خسائر حالية؛ فهو يعني كسر الهيمنة الأمريكية، وتأمين مستقبل الطاقة الصيني، والحفاظ على دور روسيا الإقليمي. وبدلاً من المواجهة المباشرة والمدمرة مع الناتو وبريطانيا، فإن استغلال إيران في حرب استنزاف بالوكالة هو “فرصة ذهبية” لا يمكن إهدارها.

إيران لا تحتاج لجنود، بل تحتاج لـ “رئة تقنية واستخباراتية” لتواصل صمودها، وهو ما تفعله بكين وموسكو بالفعل عبر تزويدها بمكونات إلكترونية دقيقة، وأنظمة تشويش راداري، ومواد كيميائية لازمة للوقود الصلب للصواريخ. فمن الغباء السياسي تصور أن يترك الكبار هذه الفرصة تضيع من بين أيديهم؛ لأن انسحاب أمريكا قبل تحقيق أهدافها يضعف هيبتها أمام المنطقة ويعني انتصاراً ليس لإيران وحدها، بل لروسيا والصين أيضاً.

نحن أمام مشهد معقد؛ فحشد القوات الأمريكية ليس مجرد استعراض، بل هناك من يرجح احتمال اللجوء لخيارات عسكرية عنيفة تقلب المنطقة والعالم.

في رأيكم، هل نحن أمام انسحاب أمريكي ينهي عهداً من الهيمنة؟ أم انفجار عسكري سيغير وجه العالم؟

ما أعرفه هو أن طمع “القوى الكبرى” وضع الشرق الأوسط على شفا دمار سيحتاج لسنوات وسنوات للتعافي منه، وسواء انتصر هذا الطرف أو ذاك، فالمنطقة مجرد ساحة تبدلت فيها القوى المهيمنة.

بالتأكيد منطقتنا على شفا تحول تاريخي، لن تخرج منه كما كانت أبداً.

السؤال الآن ليس فقط من سينتصر، بل هل سيمتلك الشرق الأوسط إرادة بناء نظام إقليمي مستقل بعيداً عن كونه 'ساحة استنزاف' للقوى الكبرى؟

“هذا المقال يعبر عن وجهة نظر شخصية وتحليل استراتيجي خاص بالكاتبة بناءً على المعطيات الاقتصادية والسياسية الراهنة.”