الشرق مقسوم بين الصين شرقا والدول جنوبها، والهند غربا والدول التي في شمالها، شيل روسيا من حسابك ده الوقت بالرغم من كونها محتلة جغرافيا وجيوسياسيا وثقافيا الجزء الشمالي بالكامل (شمال قارتي آسيا وأوروبا معا). عند الصين يمكن أن تكون التسمية (الشرق الأقصى) ملائمة جدا من الشرق الأدنى في الهند، أو الشرق الأوسط في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. لكل بلد من المذكور ظروفها الجغرافية والمادية (مثل التعداد السكاني والنظم الحاكمة) التي تفرض عليها شكلها الاقتصادي الحالي، بالطبع دون إغفال المساهمة البشرية والنظرية.

بعض التطورات الاقتصادية كانت محكومة إلى الطبيعة السيادية لدول كبرى مثل الصين، الهند، روسيا، ما يجعل دولة مثل اليابان نموذجا مثاليا لتبني نظرية اقتصادية دولية وجدلية، اليابان دولة كبرى منذ كانت ولا زالت إمبراطورية، لكنها مثل الملاك الساقط بسبب كوارث بشرية (الحرب العالمية الثانية وضربها بالقنبلة الذرّية مرتين) أو كوارث طبيعية، مثل البراكين والزلازل وموجات تسونامي. وما يترتب من وراء كل ذلك من كوارث اقتصادية بمعنى الكلمة، مع ذلك، تعد اليابان هي المكافئ الوحيد تقريبا لاقتصاد متنامي على نحو مسعور مثل الصين إن لم تكن تتفوق حتى عليها (الجدل غير محسوم في هذه النقطة).

في شرق جنوب آسيا، هنا سبعة دول مشهورة لنا كشهرة الصين وسوف نعرف السبب الآن، وهي: إندونيسيا، تايلاند، سنغافورة، الفلبين، فيتنام، كمبوديا، ماليزيا. بالإضافة إلى دول غير مشهورة مثل بروناي، لاوس، ميانمار (معروفة عندنا باسم بورما)، وجمهورية تيمور.

الحرب العالمية الأولى انقضت، وأثناء الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، والحرب الباردة، كان كانام أكاماتسو Kaname Akamatsu الاقتصادي الياباني البارز، منشغلا بتطوير نظريته التي وضعها لأول مرة عام 1937، وعرفت باسم نظرية الأوز الطائر Flying geese theory، ومن خلالها يقدم نموذجا مغايرا للنظريات الغربية السائدة آنذاك، خاصة لدى علماء الإجتماع الألمان الذين سعوا للنهوض بدولة أخرى محطمة هي ألمانيا (الحليف الرئيس لليابان في الحرب العالمية الثانية). وبالفعل نجحت كنظرية بديلة شكلت اختراقا في مجال نماذج التنمية الصناعية التي طرحها الغربيون. تصور مختلف، منشغل بالآخر أكثر من انغلاقه على ذاته، فمثّلت العلاقة بين الدول الكبرى والأضعف على نحو قيادي حيث الأقوى يقود الضعيف، كما يفعل طائر الأوز القائد الذي يقود السرب الأقوى الأول، يليه السرب التالي (الثاني)، يليه السرب الأضعف (الثالث).

وعلى نحو مادي يتم تشكيل الحرف سبعة (V في الإنجليزية) ما يساعد فيزيائيا على طرد قوى الرياح المعاكسة تجاه الجناحين وتخفيف الضغط على الأسراب الأضعف، وتوليد نوع من قوى السحب بالتبعية، بنفس الطريقة يمكن النظر إلى الدول المستهلكة التي تتحول لدول منتجة وبالتالي تؤثر بالتبعية على الدول الأقرب لها (حسب فهمي المتواضع)، ومثّل هذا الدور خير تمثيل دولة مثل اليابان.

اليابان هنا تذكرني بطائر السميرغ الأسطوري في منطق الطير ملحمة فريد الدين العطّار التي نظمها بالفارسية وسرعان ما ترجمت إلى العربية: (وتقوم نظرية الأوز الطائر بتصوير عملية النمو الاقتصادي في دول شرق آسيا على أساس أن اليابان تأتي في مقدمة السرب باعتبار أنها قائد السرب، وتليها مجموعة السرب الأول الذي يضم كوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة.. ثم يأتي السرب الثاني الذي يشمل ماليزيا وتايلاند وأندونيسيا، أما السرب الثالث فيضم كمبوديا وفيتنام.. وبالطبع تفصل بين كل سرب والذي يليه مسافة تحددها سرعة السرب ومقدار علو طيرانه، وهو ما يعكس مرحلة النمو والتطور الاقتصادي في كل دولة) [نقلا عن سودارس].

اشتهرت النظرية بعد وفاة واضعها، وسرعان ما اشتهرت في صورة مصطلح آخر لا يُعرف صاحبه، هو (النمور الآسيوية الأربعة) التي تعبر عن نجاح التطبيق العملي للنظرية؛ النمور الأربعة هي السرب الأول المكون من تايوان وهونج كونج (اللاتي استفادتا من مجاورتها اللصيقة بالصين)، وكوريا الجنوبية (ابنة اليابان بالتبني)، وسنغافورة، الأخيرة هي التي سحبت السرب الثاني في ذيلها؛ ماليزيا وتايلاند وأندونيسيا، ثم السرب الثالث (كمبوديا وفيتنام)، ربما تأتي الفلبين في سرب رابع هي الأخرى.

السؤال هنا، هل يمكن نقل هذه النظرية إلى الإقليم العربي؟

والإجابة هي نعم بالطبع، خاصة وأننا يمكن أن نتذكر روسيا -هل ذكرنا روسيا؟- وفيلسوف بارز مثل ألكسندر دوغين -حاولوا إغتياله بقنبلة أودت بحياة ابنته- الذي قدم لنا النظرية الأورواسية كنظرية جيوساسية ذات أبعاد اقتصادية، تتقاطع مع نظرية الأوز في كونهما يعليان من القيادة الإقليمية، وترفضان الهيمنة الغربية، مثلما يسرد لنا الأوز عن إمكانية إنتشار الاقتصاد في مناطق بعينها إقليميا من خلال موجات صناعية متتابعة، يتحدث ألكسندر دوغان عن إمكانيات هائلة للاكتفاء الذاتي شبه الكامل لأقاليم بعينها تبسط نفوذها رغما عن الجميع، ويضرب أمثلة عديدة عن ذلك، من بينها إيران، والهند، إسرائيل، وعالمنا العربي - الإسلامي. وبالطبع روسيا والصين.

عن نفسي، أتصور النمور الأربعة ليس كاقتصادات صاعدة، بقدر ما هي اقتصادات متقدمة، كل نمر يسحب خلفه أربعة أشبال، لتحقيق هذا الاكتفاء الأوراسي (أوراسيا هي مزيج أوربا وآسيا الممثل في روسيا)، كما أن أوقيانوسيا تجمع أستراليا ونيوزلنا، والشرق الأوسط يمثل اكتفائنا الذاتي بعلاقات قوية على ثلاث أصعدية؛ قومية وإسلامية وأفريقية.

النمور الأربعة من وجهة نظري هي السعودية في الشرق، يتبعها الدول الخليجية التي تعد ضمن الأغنى في العالم (قطر، الإمارات، الكويت، البحرين، عمان)، وغربيا نجد الجزائر ذات الاقتصاد النفطي القوي والمتماسك، وجارة كل من ليبيا (دولة نفطية أخرى)، والمغرب (دولة ذات اقتصاد قوي جدا وأكثر تنوعا وعلاقات قوية مع فرنسا). قلنا الجزائر في الغرب، ثم هناك مزيج غريب وفريد يتكون من أربعة دول في الشمال (فلسطين / إسرائيل، والأردن - العراق). وأخيرا، ينقصنا دولة تقود في الجنوب، ولن تكون السودان بالطبع -ليس في الوقت الحالي على الأقل- لذا أرشح غالبا دولة مثل أثيوبيا خاصة وأنها تتحدث العربية بالإضافة إلى الأمهرية.

هذا هو السرب الأول، أما من يصلح ليقود، فلا أحق ولا أصلح من مصر، التي وللآن تعد واحدة من أقوى اقتصاديات العالم.

آرائكم