هل مشاعرنا اختيارنا حقًا

هل مشاعرنا اختيارنا حقًا؟

المشاعر والأحاسيس ليست منفصلة عن حركة الحياة من حولنا؛ فهي نتاج تفاعلنا مع العالم الذي نعيش فيه، ومع الأشخاص الذين نلتقي بهم، ومع البيئة التي نشأنا داخلها. فإذا كان تواصلنا مع العالم المحيط بنا متوازنًا وواعيًا، انعكس ذلك على مشاعرنا وطريقة استجابتنا للأحداث.

نحن نتأثر بالآخرين، وفي الوقت نفسه نؤثر فيهم. ولا يتوقف الأمر عند الإنسان؛ فالطبيعة المحيطة بنا تؤثر فينا، ونحن بدورنا نؤثر فيها. ومن هنا يمكن النظر إلى الإنسان باعتباره جزءًا من منظومة أكبر، لا ككائن يعيش منفصلًا عن محيطه.

ولعل جانبًا كبيرًا من مشكلات الإنسان يرتبط بالفهم والإدراك والوعي، وبالبيئة التي يتشكل داخلها. فالأسرة، والمجتمع، والبلد، والمناخ الثقافي، ووسائل الإعلام، والمعلومات التي نتعرض لها باستمرار، كلها تترك آثارًا في طريقة تفكيرنا ومشاعرنا وسلوكنا.

كثير مما يدخل إلى الإنسان لا يمر دائمًا عبر وعيه الكامل. فنحن نرى ونسمع ونعيش تجارب مختلفة، ثم تتراكم هذه الخبرات في داخلنا، وقد تؤثر في قراراتنا ومواقفنا من غير أن ننتبه إلى مصادرها. ومن ثَمّ قد يظن الإنسان أحيانًا أن بعض أفكاره ومشاعره نابعة منه وحده، بينما هي في جانب منها نتيجة لما تعرض له وتعلمه واعتاد عليه.

ومن هنا تظهر أهمية الوعي؛ فالإنسان لا يستطيع اختيار كل ما يصل إليه، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يفحص ما وصل إليه، وأن يميز بين ما اختاره بوعي وما ورثه أو تلقاه أو اعتاده.

وما يصل إلينا من العالم متنوع في أصله؛ فالإنسان، في أحد أوجهه، عالم صغير يحمل داخله آثار العالم الكبير الذي يعيش فيه. وفي تكوين الحياة نرى صورًا متعددة من الاختلاف والتقابل: السماء والأرض، والنار والماء، والعلم والجهل، والشدة واللين، والحب والكراهية. وهذه المتقابلات تذكرنا بأن الحياة ليست لونًا واحدًا، وأن فهم الإنسان لها يحتاج إلى إدراك الاختلاف والتعامل معه، لا إلى إنكاره.

غير أن السؤال ليس عن وجود الاختلاف، وإنما عن كيفية تعاملنا معه. فالإنسان يستطيع أن يتعلم من الكتب، ومن تجارب الآخرين، ومن العلوم المختلفة، ومن تأملاته في الحياة، ثم يعيد النظر في ما يحمله من أفكار ومواقف.

ومن أكثر أشكال التعلم تأثيرًا في الإنسان: التقليد. فالإنسان يتعلم من مشاهدة غيره، وقد يقلد ما يراه أو يسمعه أو يعتاده المجتمع من حوله. وقد يكون التقليد وسيلة للتعلم والبناء، لكنه قد يصبح أيضًا سلاحًا ذا حدين إذا جعل الإنسان يتبنى أفكارًا ومواقف لم يفحصها بنفسه.

ولذلك فإن الوعي لا يعني أن نرفض ما حولنا، بل أن نعرف كيف نتعامل معه: أن نتعلم دون أن نفقد قدرتنا على التفكير، وأن نقترب من الآخر دون أن نفقد هويتنا، وأن نفهم اختلاف البيئات والثقافات بدل أن نحولها إلى أحكام مسبقة.

ولا أقول هذا نظريًا فقط؛ فقد مررتُ بتجربة شخصية تكشف جانبًا من هذا المعنى. لدي أصدقاء في دول مختلفة من العالم، وعندما يتواصل بعضهم معي ويكتشف أنني من الشرق الأوسط، وخصوصًا من مصر، ينقطع التواصل أحيانًا بصورة مفاجئة، وكأن معرفة المكان الذي أنتمي إليه كانت كافية لتغيير صورة الإنسان الذي كان يتحدث إليه قبل لحظات.

هؤلاء قلة قليلة، ولا يصح أن نعمم تجربتهم على الآخرين، لكنها تجربة تستحق التأمل.

فإذا كان الإنسان يستطيع أن يغير موقفه من شخص لمجرد معرفته بالبيئة التي جاء منها، فذلك يدعونا إلى سؤال أعمق: كم من مشاعرنا وأحكامنا تجاه الآخرين تشكلت قبل أن نعرفهم فعلًا؟

ربما لا تكون المشكلة دائمًا في الإنسان الذي أمامنا، وإنما في الصورة التي تكونت داخلنا عنه قبل أن نلتقيه.

ولهذا أرى أن التقارب الثقافي والفكري بين البشر ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية. فكلما عرفنا الآخر كما هو، لا كما صورته لنا بيئتنا أو معلوماتنا أو مخاوفنا، أصبحنا أكثر قدرة على فهمه، وأكثر قدرة كذلك على فهم أنفسنا.

فالإنسان لا يعيش وحده، ومشاعره لا تتشكل وحدها، ووعيه لا يولد مكتملًا. نحن نتأثر بما حولنا، لكن الوعي يمنحنا فرصة أن نختار ما نحتفظ به، وما نراجعه، وما نتجاوزه.

وربما تبدأ حرية الإنسان الحقيقية من اللحظة التي يسأل فيها نفسه:

هل ما أشعر به وأعتقده اختياري فعلًا، أم أنه شيء تعلمته دون أن أنتبه؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن السؤال في نهايته هو الأهم: هل ما نشعر به نابع منا فعلا، أم أن جزءا منه تشكل فينا دون أن ننتبه؟

شخصيا، أرى أن الإنسان لا يختار مشاعره دائما، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معها. قد لا أختار أن أشعر بالخوف أو الغضب أو الارتياح تجاه موقف معين، لكن يمكنني أن أتوقف وأسأل نفسي: لماذا أشعر بهذا؟ وما الذي جعلني أفسر الموقف بهذه الطريقة؟

لذلك أرى أن الوعي لا يلغي مشاعرنا، وإنما يجعلنا نفهمها بصورة أفضل. وربما تبدأ حرية الإنسان الحقيقية عندما لا يكتفي بأن يشعر، بل يحاول أن يفهم مصدر شعوره قبل أن يحوله إلى حكم أو موقف.

رائع

لمستني كلماتك ، بورِكَ وعيك 👏

شكرًا لك على هذه الكلمات الطيبة، فقد سعدتُ بأنها لمستك. وأرجو أن يبقى السؤال حيًّا فينا جميعًا: ما الذي نحمله باختيارنا، وما الذي حملناه دون أن ننتبه؟ بورك وعيك، ودمتِ بخير.

أصبتَ يا خالد، فالمشاعر تأتينا غالبًا دون استئذان، لكن ما نصنعه بها هو موضع الاختيار. وسؤالك «لماذا أشعر بهذا؟» هو الباب الذي يتحول به الشعور من حاكمٍ علينا إلى معنًى نفهمه. وقد أحسنتَ حين جعلتَ الفهم قبل الحكم، فهناك تبدأ الحرية فعلًا. شكرًا لك على هذا الإثراء.

البعض يتبعون معيار مناقشة الفكرة فقط دون النظر إلى خلفية الشخص وبيئته أو إلى أفكاره ومعتقداته ، ولكن في الحقيقة هذا المبدأ لا يصلح تطبيقه بهذه الطريقة في كل الأمور ، وإلا فيمكنك المساواة بين شربك للماء من كوب غير نظيف وبين شربك إياه من كوب يكاد يلمع من شدة النظافة لمجرد أن الماء يبدو غير متغيراً فحسب ، ولا أظن أحداً يفعل هذا .

أنا من النوع الذي قد يقطع علاقته بأحدٍ لاعتبارات معينة بالفعل أو أضع اعتبارات مختلفة أثناء التعامل مع الآخرين ربما البيئة وربما غيرها ، أنا لا أتطرف في هذا الأمر ولكنه معيار له وزنه بين معايير أخرى .

كلامك وجيه في أن الإنسان لا يتعامل مع الناس بميزان واحد، وأن للبيئة والخلفية وزنًا بين المعايير، وأنت تقولها باعتدال لا بتطرف. غير أن الفرق عندي بين أمرين: أن نحتاط بعد أن نرى، وأن نحكم قبل أن نرى. الكوب في مثالك نحكم عليه بعد أن نراه ونتبيّن حاله، أما الإنسان فقد يُحكم عليه باسم بلده وحده، قبل أن نعرف عنه شيئًا. وهذا ما تأملته في المقال: أن تكون الخلفية مدخلًا للفهم لا بابًا يُغلق قبل اللقاء. فإن جعلناها معيارًا من معايير عدة، يُراجَع بعد التعرف إلى الشخص، التقت وجهتانا، وشكرًا لك على هذا الطرح الصريح.