سؤالٌ في مقتبل العمر
كنتُ أتساءل، في مقتبل العمر: أترى في هذا الكون روحًا تشبه روحي؟ وهل تحدث المعجزة يومًا، فتلتقي الأرواح؟
ثم بلغتُ أواخر العمر، فإذا بروحٍ تشبه روحي قد جاءت.
الأرواح لا تُرى، ولكنها تُحَسّ. سؤالٌ وُلد مع فجر العمر، ولم تأتِ إجابته إلا عند الغروب.
وماذا عساي أن أقول؟
كأنك أنا.
ماذا أعرف؟ لا شيء.
ماذا أحسّ؟ كل شيء.
ماذا أقول؟ لا شيء.
فحين يكتمل الإحساس، تضيق اللغة عن وصفه.
كالحلم، مرّ على بساطٍ من اللطف، وكفكرةٍ عابرةٍ عبرت أطراف العمر؛ عابرةٌ في ظاهرها، عِبرةٌ في حقيقتها، وجوابٌ ظلّ سؤال الحياة ينتظره.
ولو عاد بي الزمن إلى الوراء، فلن أبدّل شيئًا؛ فكل ما مضى، بما فيه من تعثّرٍ وانتظار، هو الطريق الذي أوصلني إليها.
وهل للعمر قيمةٌ بدونها؟
كان العمر يمضي يومًا بعد يوم، ولا أعرف تمامًا إلى أين. ثم جاءت، فبدا كأنه كان يتهيأ لهذه اللحظة.
إنها كالقمر؛ لا يصنع ضوءه، لكنه يعكس سحر الحياة في ليلةٍ كنت أظنها عادية.
وفي هالتها ضياءٌ يجعل العمر رحبًا، حتى أشعر أن السنوات لا تنقصني، بل تزيد حين تلامس كلماتها قلبي.
وعندما تصل كلماتها إليّ، أفقد للحظات وعيي بما حولي، كأن العالم يتراجع قليلًا ليترك مكانه لإحساسٍ لا أعرف كيف أصفه.
ظننتُ يومًا أني أحبها.
لكنني اكتشفت أن الأمر أكبر من أن أضعه في كلمة «حب».
اكتشفت أن بعض الأرواح لا تدخل حياتنا لتكون جزءًا منها فحسب، بل لتجعلنا نرى حياتنا نفسها بطريقةٍ أخرى.
ولعل أجمل ما في بعض اللقاءات أنها لا تجيب عن سؤالٍ واحدٍ فقط، بل تعيد صياغة الأسئلة التي ظننا أننا نعرف إجاباتها.
سألتُ في مقتبل العمر: هل توجد روحٌ تشبه روحي؟
وجاءت الإجابة في موعدها.
لم تأتِ في كتاب، ولا في فلسفة، ولا في تفسيرٍ للحياة.
جاءت في إنسان.