لو أردنا أن تعرف ما بداخله... ما غطيناه

يُروى أن أعرابيًا رأى جارية تحمل طبقًا مغطى، فسألها: "ماذا يوجد في الطبق؟"

فأجابته بجملة قصيرة، لكنها تختصر درسًا طويلًا في احترام الخصوصية:

"لو أردنا أن تعرف ما بداخله، ما غطيناه."

ربما لم تكن الجارية تعلم أن ردها سيبقى صالحًا لكل زمان، ففي عصرنا لم تعد الأطباق وحدها تُغطى، بل يغطي الناس أجزاءً من حياتهم، وقراراتهم، وأسرارهم، واختياراتهم، وحدودهم الشخصية. ومع ذلك، لا يزال هناك من يصر على رفع كل غطاء لا يعنيه.

كم نصادف في حياتنا ذلك "الأعرابي" الذي لا يطيق أن يرى بابًا مغلقًا دون أن يسأل عما وراءه، أو يرى شخصًا منشغلًا بهاتفه فيريد معرفة مع من يتحدث، أو يسمع خبرًا ناقصًا فيبدأ بإكماله من خياله، ثم ينشره على أنه حقيقة.

تبدأ الحشرية غالبًا بسؤال يبدو بريئًا: "كم راتبك؟" "لماذا لم تتزوج بعد؟" "إلى أين أنت ذاهب؟" "كم دفعت ثمن هذا؟" "لماذا بعت بيتك؟"

وقد تتطور إلى التدخل في قرارات الآخرين، وإبداء الرأي فيما لم يُطلب فيه رأي، وكأن حياة الناس أصبحت شأنًا عامًا يحق للجميع الاطلاع عليه.

المشكلة ليست في السؤال بحد ذاته، فالسؤال وسيلة للمعرفة والتعلم، وإنما في الاعتقاد بأن من حقنا معرفة كل شيء، وأن صمت الآخرين أو تحفظهم يحتاج إلى تبرير.

هناك قاعدة بسيطة يغفل عنها كثيرون: ما اختار الإنسان إخفاءه، فقد اختار أيضًا ألا يكون موضوعًا للنقاش.

احترام الخصوصية ليس برودًا في العلاقات، بل هو أحد أرقى أشكال الاحترام. فالإنسان الناضج يدرك أن لكل شخص مساحة خاصة لا يجوز اقتحامها، وأن الفضول لا يمنح صاحبه حق العبور إلى حياة الآخرين.

ولعل أجمل ما في جواب تلك الجارية أنه لم يكن قاسيًا ولا هجوميًا، بل كان منطقيًا للغاية. فالغطاء لم يُوضع عبثًا، وإنما وُضع ليقول رسالة واضحة دون كلمات: ليس كل ما تراه يحق لك أن تعرفه.

لو استوعبنا هذه الحكمة البسيطة، لاختفت كثير من الأسئلة المحرجة، ولقلّت الشائعات، وخفّ التدخل في شؤون الناس، وأصبحت العلاقات أكثر راحة واحترامًا.

ولعلنا، قبل أن نسأل عن "الطبق المغطى" في حياة غيرنا، نسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا:

هل لو أراد صاحبه أن أعرف، أكان سيبقيه مغطى؟ :::

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش