حين تصمت الأشياء فيك… تبدأ بالخسارة

ثمّة قانون خفيّ، لا يُكتب في الكتب، ولا يُعلَّق على الجدران، لكنه يعمل بصمتٍ لا يخطئ:

ما لا تستخدمه… يتلاشى منك، ولو ظننت أنك تملكه إلى الأبد.

الحياة لا تحفظ لك عطاياك بدافع الشفقة، ولا تصونها لأجل الذكرى؛

إنها تختبرك بها، فإن أهملتها، سحبتها منك بهدوءٍ يشبه النسيان.

انظر إلى الجسد حين يُقيَّد داخل جبسٍ بارد، إثر كسرٍ عابر.

تخرج اليد كما دخلت، في ظاهرها، لكن حقيقتها شيء آخر:

عضلاتٌ ذاب عنها الامتلاء، وقوةٌ انطفأ وهجها، وحركةٌ تتعثّر كطفلٍ يتعلّم المشي من جديد.

ليست الإصابة هي ما أضعفها… بل التوقّف.

ولهذا، لا يكفي أن يُفكّ الجبس،

بل لا بدّ من عودةٍ شاقة، علاجًا بعد علاج، لاسترداد ما سُلب بصمت.

هكذا أيضًا يفعل العقل حين تهجره الأسئلة.

يبهت، لا لأنه عجز، بل لأنه تُرك وحيدًا بلا استعمال.

الأفكار التي كانت تتدفق، تصبح متثاقلة،

واللغة التي كانت طيّعة، تتمنّع كأنها لم تعرفك يومًا.

والمهارات… تلك التي ظننت أنك امتلكتها إلى الأبد،

تنسحب منك دون ضجيج.

لغةٌ لا تُمارس، تذوب من الذاكرة،

وحرفةٌ لا تُلامسها اليد، تفقد حدّتها،

كأنها تعاتبك على الغياب.

حتى العلاقات، تلك التي نظنّها عصيّة على الذبول،

تخضع للقانون ذاته.

الاهتمام الذي لا يُقال، يبرد،

والقرب الذي لا يُمارس، يتآكل،

حتى يصبح الحضور ذكرى، لا حياة.

لكن الخسارة الأعمق…

هي تلك التي تمسّ الإيمان.

الإيمان الذي لا يُعاش، لا يُترجم إلى فعلٍ وسلوك،

لا يُروى بعملٍ يوميّ صغير،

يبهت شيئًا فشيئًا،

لا يختفي دفعةً واحدة،

بل ينطفئ كما تنطفئ شعلةٌ تُركت للريح.

يبقى منه اسمٌ في الذهن،

وصدى في القلب،

لكن أثره في الحياة يتراجع،

حتى يصبح شعورًا بعيدًا، لا يقود، ولا يغيّر.

الحقيقة التي لا نحبّ سماعها:

الحياة لا تعترف بما نملك،

بل بما نُبقيه حيًّا بالاستعمال.

قد تُوهب جسدًا قويًا،

وعقلًا متقدًا،

ومهارةً لامعة،

وإيمانًا عميقًا…

لكن كل ذلك قابلٌ للذبول،

إن تركته جانبًا، تنتظر أن يحفظ نفسه بنفسه.

لا شيء يبقى لأنك تملكه،

بل لأنه يتحرّك فيك، ويتجدّد بك.

لذلك، إن أردت ألّا تخسر نفسك على مهل،

فلا تترك ما فيك يصمت.

استخدمه…

ولو بخطوةٍ صغيرة،

لكن كل يوم.

فما يُترك طويلًا،

لا يعود كما كان…

حتى لو عاد.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

برغم إتفاقي معك جزئيًا، فمن الطبيعي مع اختلاف الأولويات وكثرة المسئوليات أن تتراجع بعد العادات وتترك مساحة لأخرى (ما عدا العادات الضرورية مثلًا) ولو تعاملنا بأن ما تركناه لن يعود ابدًا كما كان، فما كانت لتنصلح علاقات بعد سنوات طويلة، أو يعود إنسان لشغفه بأسلوب جديد، وحتى التغيير المذكور، هو طبيعي بحكم تغيير شخصية الإنسان.

لكن حتى هذه العلاقات التي انصلحت بعد سنوات طويلة لو أهملناها ولم نرعها ستذبل وتضمحل، وهذا ينطبق على أشياء كثيرة: مهارات مثل الكتابة الإبداعية مثلاً، وينطبق على بعض صفات الإنسان مثل الشفقة بالآخرين لو أهمل الإنسان هذه الصفة الداخلية قد يجدها تختفي داخله بالتدريج.

هل الصفات تختفي فعلًا؟ يعني الشفقة قد تختف نسبيًا فعلًا لو الإنسان تعرض إلى صدمات وظلم متكرر فيخشى أن يكون شعوره بالشفقة يؤدي به إلى التلاعب به مرة أخرى، إنما اختفائها تمامًا فهذا يعني أن الشخصية نفسها أقرب للمعادية للمجتمع، ولذلك أريد أن أفهم وجهة نظرك هنا.

بالنسبة إلى الكتابة، شخصيًا تعرضت لأزمة وتركت الكتابة شهورًا متتالية بلا أي ممارسة، وبمجرد العودة التدريجية وجدت ذهني والذاكرة العضلية نفسها استرجعت ما ظننت -بسبب مخاوفي- أنني فقدته.

نعم الصفات المحمودة قد تخفت احيانا نتيجة الظلم أو القهر الذي يمارس على الشخص وهذا ما يسمى "بقسوة القلب"

لان الشخص يلجأ في هذه الحالة إلى ما يطلق عليه غريزة البقاء وقد قرأت ذات مرة عبارة للكاتبة احلام مستغاني استوقفتني حقيقة تقول "إن كنت تصارع وحش فاحذر أن تتحول نفسك إلى وحش " وبالتالي نستنتج أن القسوة والشدة والظلم يخرج الإنسان احيانا من دائرة انسانيته كمن يقبع في السجن سنوات تحت التعذيب وخاصة سجين الرأي يخرج إلى العالم مختل نفسيا احيانا وبحاجة لإصلاح وعلاج نفسي احيانا .

أجل هناك صفات تنتهي فعلاً فكثير من الشباب والفتيات بعد علاقة حب فاشلة لا يعودون يستطيعون منح الشخص التالي نفس المشاعر التي منحوها للشخص الأول، وهذا الأمر نشاهده ومعروف بكثرة، وهو دليل على اختفاء المشاعر.

واضيف بحاجة إلى عزم وزخم أكبر وعناية ومراقبة وتصحيح وجهد جبار واهتمام ووقت أطول لضمان الاستمرارية.

حتى لو انصلحت العلاقات بعد انقطاع فترة طويلة فهي بحاجة لزخم أكبر من التضحيات والانتباه إلى أن الكسر ينجبر ولكن يبقى مكانه ندوب أو نقطة ضعف مستمرة بحاجة لعناية واهتمام أكبر.

صحيح، ولكن بعض الظروف تؤدي لغياب هذه العادات ربما بعد أزمة شخصية أو صدمة أو حتى سلوك درب شيئ، وأشعر هنا أن العودة أفضل من الشعور بالذنب مدى الحياة بسبب الخوف من إصلاح ما كسرناه.