من خلال تفاعلات الأجزاء السابقة بدا لي أن كثيرين ما زالوا يتحدثون عن النوع الأول من الحب .. ذاك الذي تدور حوله القصص والأغاني ومعظم تجارب البشر. هذا الحب الذي يشغل الفن والأدب ويملأ الروايات. أما الحب الذي يقترب منه "النبي" لـ خليل جبران فقلّة من تلتفت إليه .. وربما ظنه البعض خيال شاعر يعيش خارج شروط الواقع.

يُحكى أن شابًا ذهب إلى ولي من اولياء الله يشكو عذابه .. قال إنه يحب جارته وأهلها يرفضون ارتباطه بها .. وإنه يتألم ليل نهار. نظر إليه الولي وقال: يا بني .. مشكلتك عدم الحب… لا أرى في قلبك ذرة حب. الظلام يحيط بك .. ليس هناك نور.

صُدم الشاب. ظن أن الرجل لم يفهمه .. وربما شكّ في ولايته أصلًا.

هنا أحتاج أن أوضح معنى “سادهو” أو “ولي” أو "عارف بالله" كما أستخدمه أنا .. المقصود ليس شخصية أسطورية .. بل إنسان ارتقى وعيه من أدنى مستويات التعلق الغريزي إلى أعلى حالات الصفاء. بلغة مدارس الطاقة: من شاكرا الجذر إلى شاكرا التاج. وبغض النظر عن التسميات .. هو إنسان يعيش بيننا .. لكن روحه لم تعد محصورة في حدود الجسد.

في هذه المرحلة هو “يرى”.

لا أقصد رؤية بصرية عادية .. بل إدراكًا مباشرًا للحالة الداخلية. عندما جلس الشاب أمامه .. كان يرى الهالة المحيطة به .. يرى كثافتها .. يرى أن القلب ممتلئ بالاحتياج لا بالحب. يرى ببساطة.

وقد لا يتكلم كل ولي بهذه الصراحة. أحيانًا تكون الصدمة جزءًا من العلاج .. وأحيانًا تكون الرحمة أولى. الأمر يتوقف على بصيرته بالشخص الجالس أمامه.

وجود مرشد روحي في رحلة الانتقال من التعلق إلى المحبة .. من الغريزة إلى الوعي .. يختصر الطريق. كما قال أوشو: الرحلة هي انتقال من الجنس إلى الوعي الخارق.

الولي الحقيقي .. أو السادهو .. بمجرد الدخول في مجاله تشعر أن شيئًا يتحرك داخلك. وكأن طاقة راكدة بدأت تصعد. من شاهد لقاءات سادغورو يلاحظ أن بعض الحاضرين تفيض دموعهم في الدقائق الأولى. ليس لأن أحدًا أمرهم بالبكاء .. بل لأن زوبعة عاطفية حرّكت ما كان مكبوتًا لسنوات. الجسد أحيانًا يبكي حين تعجز اللغة.

أتحدث هنا عن تجربة شخصية. ذهبت مرة مع صديق إلى مقر أحد العارفين بالله .. لم يخبرني بشيء مسبقًا. وفجأة .. ما إن دخلنا .. خنقتني العبرة وانهمرت دموعي دون إرادة مني. كنت أبتعد عنه حتى لا يراني .. ولم أكن أعلم أنه يعرف أن هذا يحدث كثيرًا لمن يدخل ذلك المكان. والغريب أن العارف بالله نفسه لم يكن موجودًا هناك في ذلك الوقت.

لهذا ينصح بعض أهل المعرفة بزيارة مقامات الصالحين. ليس تعظيمًا للأشخاص ولا عبادة كما يتعقد الكثيرين .. بل تذكيرًا بحالة وعي بقي أثرها لأن "طاقته" تظل موجودة حتى بعد انتقال الروح ودفن الجسد .. البعض لا يشعر بشيء .. والبعض الآخر يرتجف وكأنه لمس سلكًا كهربائيًا. المسألة ليست استعراضًا .. بل قابلية داخلية.

الأنبياء والأوصياء في مستوى آخر أرفع .. ومع ذلك ليس كل من يزور مقاماتهم يشعر بشيء. القلوب تختلف في شفافيّتها .. كما تختلف النوافذ في قدرتها على إدخال الضوء.

الفكرة الأساسية أن الحب الذي أتحدث عنه ليس تعلّقًا بشخص .. بل حالة وعي. ليس احتياجًا .. بل فيض. ليس خوفًا من الفقد .. بل اتساعًا لا يضيق.

“السادهو” ليس غاية بحد ذاته .. بل جسر. وجوده يسهل ارتقاء الطاقة من مستوى البقاء والغريزة إلى مستوى الإدراك والمحبة الواسعة.

في الأجزاء القادمة سنتحدث عن وسائل أخرى للارتقاء يمكن أن يمارسها الإنسان بنفسه .. بخطوات آمنة ومتوازنة .. بعيدًا عن المبالغة أو التهويل.