القراءة الناضجة

لا شكّ أن العالم أو المفكّر الذي نقرأ له يكون أدرى الناس بتخصّصه، أعمقهم غوصًا في أغواره، وأوسعهم إحاطة بتفاصيله؛ لذلك لا يَسهل علينا، نحن القرّاء العاديين، أن نخالفه في ما يتصل بمجاله أو نتحفّظ على أطروحاته بلا روية.

غير أنّ هذا التسليم لا ينبغي أن يكون مطلقًا، خاصة حين نصادف أفكارًا تناقض ما نلمسه في واقعنا، أو تتعارض مع تجاربنا الشخصية، أو تصطدم بالمنطق الذي ألفناه. هنا يصبح من حقّنا، بل من واجبنا، أن نمنح أنفسنا إذن التساؤل والنقد.

علينا أن ندرك أولًا أننا لا نملك إلا جزءًا يسيرًا مما يمتلكه المؤلّف من معرفة، لكن ينبغي لنا في الوقت نفسه أن نعي أنّ هذا المؤلّف، مهما بلغ من علم، يظل إنسانًا تحكمه تحيّزاته وحدوده البشرية. ومن خلال تراكم التجربة في القراءة وفي الحياة معًا، نصبح مؤهّلين لأن نتساءل حول كل فكرة لا تنسجم مع ما كوّنّاه من قناعات، سواء اكتسبناها من تجاربنا الخاصة أو مما اطّلعنا عليه سابقًا من أطروحات ونظريات لمفكّرين آخرين.

ومع كثرة الممارسة، تتكوّن لدى القارئ ملكة التحليل والغربلة، ويغدو أكثر مهارة كلما كان أدقّ ملاحظة وأشدّ تساؤلًا. فالتوغّل في القراءة لا يمنحنا رصيدًا معرفيًا أو فكريًا فحسب، بل يهبنا أيضًا القدرة على فحص ما نتلقاه ونقده بوعي.

وهكذا لا نكتشف فقط زيف الكثير من الأفكار والمعلومات، بل نتعلّم كذلك الحذر مما هو مضلِّل، والتمييز بين الصحيح والمشوَّه، فنصير قرّاء أعمق ووعيَنا أشدّ رسوخًا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نعم التحليل والنقد والمقارنة هي من أهم ركائز القارئ لحصوله على محتوى نافع، وكي يستطيع هو أيضاً تقديم محتوى نافع ومفيد.

أتفق معك أ. نچيب وأجد أن هذا الفرق في المجمل هو الفرق بين الإنسان الواعي الذي يحاول الفهم ويحلل ما يصل إليه من معلومات ويتسائل، والإنسان الغير واعي الذي يقرأ وكأن ما يقرأه هو كلام مقدس لا يقبل التشكيك ولا التساؤل.

الشخص الأول وضع الكاتب أو الباحث في مكانه الطبيعي كبشر قد يخطئ ويصيب لديه علم وفكر محدودين، بينما الآخر وضعه في مكانه عالية تشبه مكانه القديسين الذين لا يجب مناقشتهم!

077591162 أضف ردا

فعلا أخي الفاضل كلما كانت القراءة خاضعة للتحليل والمقارنة كلما كانت أكثر فائدة وكان القارئ أكثر تطورا وإرتقاء وأهلية لأفادة الغير