صناعة الطاعة:كيف تتسلل السلطة إلى وعينا الثقافي

لسنا طائعين بالضرورة، لكننا مدربون على الطاعة.

منذ نعومة أظافرنا، نُلقَّن أن رفع الصوت خطأ، وأن السؤال كثيرًا يدل على قلة أدب.

لا أحد يقول لنا مباشرة: "اخضع"، لكن الجميع يدرّبنا على ذلك من دون وعي.

تتسلل السلطة إلى حياتنا اليومية متخفية في زيّ الأب، والمعلم، ورجل الدين، وحتى في مناهج التعليم وأناشيد الصباح.

عندما نُكافأ على الصمت، ونُعاقب على الاعتراض، فإننا لا نتعلّم الأخلاق… بل نتعلّم الانحناء.

كل شيء منظم بعناية لخلق المواطن "الصالح"، لا بمعنى الصلاح الأخلاقي، بل بمعنى الصلاح الوظيفي:

لا يعترض،

لا يُفكّر بصوت عالٍ،

لا يربك النظام بأسئلة وجودية.

حتى اللغة نفسها لا تسلم. تتحول كلمات مثل "الوطن" و"القيادة" إلى مفاهيم مقدسة لا تُسائل.

ويتم خلط الدين بالهوية، والخوف بالولاء، حتى يصبح الانتماء للسلطة نوعًا من العبادة غير المعلنة.

الطاعة ليست موقفًا سياسيًا فقط، إنها ممارسة يومية.

ومن لم يتدرب على الرفض، لن يُتقن إلا الانحناء.

ربما نحتاج أن نُعيد تعريف المواطن "الصالح"؛

ليس ذلك الذي يسير على الخط،بل ذلك الذي يعرف متى يخرج عنه، ولماذا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ثقافة القطيع تبدأ من تحجيم الوعي في سن مبكرة، حين يُربط الصمت بالأدب، والاعتراض بالوقاحة، وتُحرَّف القيم لتخدم السيطرة لا الفضيلة. ومع الوقت، يُفقد الإنسان بوصلته الداخلية، فلا يعرف كيف يميز بين الولاء للحق، والخضوع للقوة.

في هذا السياق، يصبح التفكير الناقد تهديدًا، ويُجرَّم السؤال وكأن الحقيقة حكر على من يملك المنصة لا من يملك العقل. لهذا، فإن إعادة تعريف "المواطن الصالح" تبدأ من مقاومة هذا القالب، ومن بناء وعي يعرف متى يصمت احترامًا، ومتى يتكلم مقاومة.

الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة، ومن لم يُدرَّب على السؤال، سيعيش عمره ساجدًا لأصنام باسم الدين أو الوطن أو النظام.