بسم الله الرحمن الرحيم

الشخصية القاسية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

 يتسم صاحب الشخصية القاسية بالشدّة والغلظة على الجميع حتى على عائلته وأقرباءه بل وحتى على أصحاب الاحتياجات الخاصّة كالمعاقين, فقد يشترط على هؤلاء القيام بما لا يستطيعون فعله بسبب إعاقتهم, من دون شفقة عليهم وعلى عجزهم عن القيام بالأمور التي يطلبها منهم أو يشترطها عليهم ومن دون أن يبالي بإعاقتهم البتّة, وكأن القسوة في قلبه تمنعه من التفكير بمنطقية, وقد يجد صاحب الشخصية القاسية لذّة واستمتاع بالقسوة على الآخرين.

قبضة صاحب الشخصية القاسية

وقد يستغل صاحب الشخصية القاسية سذاجة الآخرين أيّما استغلال ويستعمل معهم أنواع الخداع, فيدفعهم إلى القبول بشروطه رسمياً حتى لا يتمكنوا فيما بعد من الإفلات من قبضته, فيعدهم بأمور معيّنة وما إن يوقّعوا معه ويتأكّد بأنهم فقدوا فرصهم في تغيير رأيهم أو أصبح الأمر صعباً بأن يغيّروا رأيهم أو ينسحبوا, ويتأكّد تماماً إنهم وقعوا في قبضته فقد يبدأ أحياناً وبكل ثقة, بإخلافه للوعود التي وعدهم إياها, أو بإظهار مهام صعبة لم يذكرها لهم أثناء تقدمهم للوظيفة عنده أو العمل معه, وبعد أن كانت الابتسامة لا تفارق محيّاه مع المتقدمين للوظائف, وبعد أن كان يعاملهم بكل احترام, قبل أن يوقعوا معه, فإنه وبعد التوقيع معه رسمياً فإنه يُظهر فجأة وجهه الحقيقي وينهال عليهم بالمهام التي لم يذكرها لهم من قبل ودون حتى أن يحاول التهوين عليهم, بل قد يجيب على أسئلة الموظفين الجدد بقسوة شديدة وسخرية وكأنه ينذرهم بأنه لن يرحمهم ولو قليلاً, فيجدوا الموظفين الجدد أنفسهم وقد سُقط في أيديهم ولم يعد أمامهم من مفر أو قد صعُب عليهم الإفلات من قبضة صاحب الشخصية القاسية.

الأخطاء

وعندما يرى صاحب الشخصية القاسية خطأً من الآخرين فإنه قد يقوم بمعاقبتهم بشدّة مهما كانت تفاهة هذا الخطأ, فعقابه قد يكون في كثير من الأحيان أكبر بكثير من مستوى الخطأ الذي اُرتكب. كما إنه قد يعاقب الآخرين من غير سبب لاستمتاعه بمعاقبة الآخرين, وعندما يقوم صاحب الشخصية القاسية بوضع قوانين فإنه قد يضعها غير واضحة ليتسنّى له معاقبة الآخرين على مخالفتها, فإن اتّبعوا الآخرين قوانين بدقّة سائه ذلك وازعجه لأنه لم يجد أي عذر ليعاقبهم.

العدوى

وبسبب إفراط صاحب الشخصية القاسية بقسوته فإن كل ما تلمسه يده يبدأ يغلي من الغضب والحقد, ويتحولوا الكثير من ضحاياه إلى القسوة في انفسهم وكلما طالت مدّة إيذاء صاحب الشخصية القاسية لهم واستمر في القسوة عليهم كلما اشتدت قسوتهم هم بدورهم, وقد يبدأوا ينتظرون أي فرصة للانتقام من صاحب الشخصية القاسية اشد الانتقام.

أتباعه

 وقد يحاولوا البعض الابتعاد عن صاحب شخصية القاسية وتجنّبه, وقد يبقى لديه من هم في حاجة إليه, ولكن بمجرد أن يعجز صاحب الشخصية القاسية عن توفير احتياجات من معه, فإنهم غالباً ما يتركونه وقد يحاولوا إيذائه بأسوأ الطرق التي يمكنهم الوصول إليها انتقاماً منه ومن سوء معاملته لهم, وحينها سيرتدّ على صاحب الشخصية القاسية كل قسوته على الآخرين فالجميع سيحاولون الانتقام منه, ولن يجد في الأغلب من يرحمه من ضحاياه إلّا من رحم الله.

أقرباءه

وقد يكون صاحب الشخصية القاسية رفيقاً بعض الشيء مع عائلته ووالديه ما داموا هؤلاء يفعلون ما يريد, ولكن إن حدث وأن بدأوا بالتصرف بطريقة لا تعجبه أو بدأوا بمعارضته فقد يشعر بالضيق منهم, وحينها سيصب قسوته عليهم دون شفقة أو رحمة. فما دام صاحب الشخصية القاسية متمادياً في قسوته ولا يحاول كبتها أو التخلّص منها أو إصلاح نفسه, فلن يكون أحدٌ في مأمن من قسوته لا قريب ولا بعيد.

يحصد ما يزرعه

وقد يميل صاحب الشخصية القاسية إلى استخدام التهديد مع الآخرين, ويتعامل معهم بقسوة وغلظة, ويعاقبهم بشدّة على اتفه الأخطاء أو حتى من غير خطأ يصدر منهم, ولكنه في الوقت نفسه إذا ما حدث وأن تعامل معه أحدهم بمثل ما يعامل هو الآخرين, فقد يحقد بشدّة وسيحاول أن يثأر لنفسه بقسوة شديدة, وقد يحدث له هذا كثيراً أن يعاملوه الآخرين بمثل ما يعامل هو من حوله, وكأنه يحصد ما يزرع, فإن أراد صاحب الشخصية القاسية أن يعاملوه الآخرين باحترام وبرفق, فعليه أن يعامل الآخرين باحترام ورفق, فعلى حسب تصرفاته يبدو وكأنه يجذب إليه مثلها ومن يتصرف معه بالمثل, فإن تصرف برفق وحلم فقد يجد نفسه في مواقف يعاملوه فيها الآخرين كذلك برفق وحلم حتى لو كانوا لا يعرفونه البتّة, وقد يجد نفسه أصبح في وسط مثل هؤلاء, كانتقاله لعمل آخر أو لقسم آخر في العمل الذي يعمل فيه أو في التعامل مع من هم مثلهم, فقد يعيش ويتعامل مع هؤلاء الذين جذبهم هو لنفسه لعدّة سنوات. وأما إن تعامل بقسوة مع الآخرين فقد يجد نفسه يقع في مواقف يتعاملوا فيها الآخرين معه بقسوة مماثلة لقسوته, فيجد نفسه وكأن الأدوار قد تغيرت فبعد أن كان هو القاسي ويهدد الآخرين ويعاقبهم بقسوة, فقد يجد نفسه والآخرين يهددونه ويعاملونه بقسوة, وقد يجد نفسه وقد وقع في وسط مجموعة من القساة مثله, وقد لا يستطيع احتمالهم ويتمنى من كل قلبه أن ينتقل من عندهم إلى أي مكان آخر بعيداً عنهم, فعليه حينها أن يعلم أن الآخرين أيضاً يتمنون الابتعاد عنه قدر ما يستطيعون وكذلك كانوا ضحاياه يشعرون من قبل, فعليه أن يتأمل مدى سوء تصرفاته القاسية مع الآخرين والتي قد لا تكون في محلّها ابداً أو مبالغٌ فيها وليس لها أي مبرر سوى استمتاع صاحب الشخصية القاسية بمعاناة الآخرين واستمتاعه بالقسوة عليهم.

الحلقة المفرغة

ولكن عندما ينجح صاحب الشخصية القاسية في الانتقال إلى مكان آخر فيظن أنه نجى وأن بإمكانه العودة لطبعه القاسي كما يشاء, سيجد أن كل من يتعامل معهم بقسوة يبدأوا بالتحوّل رويداً رويداً إلى نسخة منه خاصّة عند تعاملهم معه, فيكون كمن يصنع قساة أمثاله في كل مكان تطأه قدمه, فيجد نفسه صاحب الشخصية القاسية وكأنه يدور في حلقة مفرغة فيجد إنه مهما هرب وابتعد فإن الآخرين يتحولون بسبب قسوته إلى ما هو يهرب منه, فعليه حينها أن يعلم أن عدوّه الحقيقي هو نفسه وقسوتها على الآخرين, وهو نفسه الذي يصنع القساة الذين يحاول كلما ظهروا من حوله أن يهرب منهم.

انعدام الثقة بالآخرين

ويميل صاحب الشخصية القاسية إلى عدم الثقة بالآخرين, والشك بهم, فإن كان لا يستطيع الثقة بالآخرين, فقد ينفعه على الأقل أن لا يعاملهم على حسب شكوكه وظنونه, وقد ينفعه أحياناً أن يُحسن الظن بالآخرين, ولكن ليس عليه أن يفقد حذره منهم, فله أن يأخذ احتياطاته لتجنّب أي ضرر قد يقع من خيانات الآخرين وغدرهم به, ولكن له أن يعامل الآخرين بالحُسنة فلا ضرر من ذلك وله أن يأخذ احتياطاته كما يشاء.

الغرور

أما غرور صاحب الشخصية القاسية فعليه أن يتخلّص منه, لأن مزج القسوة مع الغرور سيتسبب لصاحب الشخصية القاسية, بأن يجعل أتفه المواقف السيئة إهانات عظيمة في حقّه, لا يمكنه غض النظر عنها مما قد يجعله يزداد قسوة مع الآخرين, وبالتالي تزداد قسوة الآخرين ضدّه, فيبقى صاحب الشخصية القاسية في حلقته المفرغة التي تتزايد قسوتها, وعلى قدر ما يُظهر من قسوة على قدر ما يلاقونه الآخرين بمثلها, فيحقد عليهم ويتحيّن الفرص للانتقام منهم بشدّة, مما يجعل الآخرين يحقدون هم ايضاً ويتحيّنون الفرص للانتقام منه اضعاف ما انتقم منهم كما فعل هو معهم.

وبسبب الغرور قد يتمسّك صاحب الشخصية القاسية بآرائه بشدّة ويرفض آراء الآخرين, خاصّة إذا كانت تلك الآراء الأخيرة قادمة ممن هم اصغر منه سناً حتى لو كانوا رجال ناجحين في مجالاتهم, وكأنه يرى بأن عمره ومنصبه دليلان على عصمته من الخطأ في كل أمور الحياة وأن كل ما يقوم به هو عين الصواب, وبسبب تمسّكه بآرائه بشدّة قد يضيّع على نفسه فرصاً عظيمة, كان بمقدوره أن ينتفع منها انتفاعاً عظيماً, ولكن وبسبب غروره يحاول أن يُري الآخرين أن أفكاره فقط هي الأصلح له وللجميع, وكل ما يأتون به الناس ويعارض نظرته فإنه باطل وقد لا يستحق حتى النظر فيه. وعلى قدر ما يزيّن صاحب الشخصية القاسية صفة الجمود الفكري التي لديه في ذهنه, على قدر ما تكون مبغوضة لدى الآخرين. ومن هنا نرى أن صاحب الشخصية القاسية على قدر ما يحاول أن يكون مثار إعجاب الآخرين بصفاته السيئة على قدر ما يبغضونه الآخرين ويكرهونه بسبب تلك الصفات ذاتها. وقد نجد أن صاحب الشخصية القاسية كلما تمسّك أكثر بصفاته السيئة كلّما زاد تعمّقه فيها وازداد سوءاً, وكلما زاد كره الآخرين وبغضهم له.

الإكراه

وقد يعمد صاحب الشخصية القاسية إلى إكراه الآخرين لخدمة مصالحه والعمل لأجله وحتى التذلل له, رغم إن كل ذلك قد يجعل الآخرين يتحيّنون الفرص للإفلات من قبضته فلا يكون لديهم أي احترام أو تقدير أو ولاء له, مما يضطره إلى مراقبتهم دائماً وملاحقتهم في كل مكان لألّى يحاولوا الهروب منه, فلا يستطيع أبداً الثقة بهم بأي شكل من الأشكال, وما ذلك إلّا بسبب طبعه البغيض والمُنفر, ويقينه في قرارة نفسه أن الآخرين يكرهونه ويكرهون تصرفاته السيئة التي يحاول أن يفتخر بها بينه وبين نفسه, ويحاول إقناع نفسه أن الآخرين معجبين بها, ولكنه يبقى في قرارة نفسه يعلم جيداً مدى قبحه ومدى قبح تصرفاته السيئة في نظر الآخرين, وكان بإمكانه ببساطة أن يتصرّف بطريقة أحسن من طريقته القاسية والعدائية, ولكان على الأغلب سيجد من يجاهد للعمل لديه ويجاهد لإرضائه ليحصل على الترقيات, ولكن وبسبب سوء خُلُقه وسوء طبعه وبسبب طبيعته القاسية فإنه يفضّل في أغلب الأحيان أن يتصرّف بخُبث ومكر وقسوة, وكأنه يستقبح التصرف الحسن والسليم أو كأنه يكره الأخلاق الحسنة وقد يراها أحياناً لسبب ما دلالة على الضعف, فيرفضها ويعامل الآخرين بأسوأ ما يقدر عليه, وقد يكون في نفسه أسوء من ذلك وأقبح ولكن قد لا يكون قادراً على إظهار أخبث ما لديه لأسباب أخرى منها قد تكون خشيته من أن لا يحتملوا من حوله تصرفاته فينقلبوا عليه.

ارتداد قوانينه عليه

وقد ينفع صاحب الشخصية القاسية أن يحذر من ردود أفعاله وتصرفاته بشكل عام, لأنه عندما يُغلّظ عقوبته على الآخرين على أتفه الأسباب, فقد يتعاملون الآخرين معه بالمثل وقد يُغلّظون عليه عقوبتهم له لأتفه الأسباب, ولكن هذه النتائج بالنسبة له قد تكون مدمّرة للغاية, حيث أن من حوله قد تكون معظم أخطائهم غير ذات شأن وقد تكون معظمها تافهة وهو الذي يبالغ في عقابهم, ولكن بالنسبة له فإن ميله للتصرّف بسوء شديد فقد تكون العقوبات التي يختارونها له الآخرين تفوق أي شيء معقول, وذلك باستخدام قوانينه هو نفسه ضدّه التي يعامل بها الآخرين, ولكن وبسبب غروره وبسبب طبيعته في الحقد الشديد والرغبة الشديدة في الانتقام فقد يحترق ويغلي في داخله كما لا يحدث كثيراً لدى ضحاياه, فيكون الأذى الذي يحصل عليه أسوء بمراحل من الأذى الذي يسببه للآخرين وذلك بسبب طبيعته الحسّاسة لأي ظلم قد يقع عليه.

ميله إلى المخاصمات

ويميل صاحب الشخصية القاسية إلى المخاصمات مع الآخرين, مما قد يجعله يفقد الكثير من أصدقائه الخيّرين والناصحين له, وقد لا يبقى معه سوى المتملّقين وأصحاب المصالح والذين قد لا يكونوا معظمهم أهلاً للثقة.

ويميل صاحب الشخصية القاسية عند المخاصمات إلى استخدام العنف, مما يجعل منه هدفاً سهلاً للتلاعب به خاصّة على الملأ. ولهذا فعلى صاحب الشخصية القاسية أن يتعلّم جديًّا كيفية استخدام عقله عند الخصومات بدل العدوانية, ليستطيع حلّ الخصومات بطرق لا يقلل فيها من احترام الآخرين له, ولذلك فعليه أن يتعلّم كيف يسيطر على نفسه, قبل أن ينتبهوا الآخرين لهذا العيب فيه فيسيطروا عليه وعلى تصرفاته كما يشاؤون باستفزازه إما بطريقة فيها شيء من السخرية أو التعدّي المصبوغ ببراءة كاذبة على الملأ وإما بطريقة خبيثة في الخفاء.

العناد الشديد

ويتّسم صاحب الشخصية القاسية بالعناد الشديد, ويظهر ذلك عند النقاش فهو قد لا يترك النقاش حتى يُثبت صحّة وجهة نظره, فيبدو وكأنه لا يبالي عن موضع الحق ولا يحاول حتى معرفته, بقدر ما يريد إثبات صحّة رأيه فقط, مهما كانت وجهة نظره فاسدة وباطلة.

ولا ترج السماحة من بخيل .. فما في النار للظمآن ماء

وقد لا يحاول صاحب الشخصية القاسية أن يفهم مشاعر الآخرين ولا يحاول التعاطف معهم, ولكنه بالإضافة إلى ذلك وهو مكمن الخطر هنا أن صاحب الشخصية القاسية يُدخل ويدمج مع هذه الصفة القسوة فبدل أن يتعاطف مع الآخرين أو على الأقل أن يكفيهم شرّه قد يحاول هو بدوره أن يقسو عليهم فيزيدهم همًّا على همّ, فكانوا اللاجئين إليه كالظمئانين الذين رأوْا صاحب الشخصية القاسية فلجئوا إليه ليسقيهم ماءاً ولكنه بدل أن يعطيهم الماء فقد يُلقي على وجوههم النار ليحرقهم. 

إهانة الآخرين

ويستمتع صاحب الشخصية القاسية بإهانة الآخرين والسخرية منهم, ويعكس هذا ما في سريرته من سوء وقُبح وفساد طبيعته من الداخل, وقد يستخدم صاحب الشخصية القاسية الاستهزاء بالآخرين ليخفي ضعفٌ في داخله, ولكنه يكشف بالمقابل للآخرين بما قد لا يعلمه هو عن نفسه, ومن هنا نرى بأن صاحب الشخصية القاسية مع كل تصرف سيء يصدر منه يكشف بعض الحقائق القبيحة عن نفسه للآخرين دون أن يشعر ودون أن يقصد كشفها, كرأي فاسد لديه أو تعصّبٌ أعمى أو حقدٌ شديد كامن في داخله.

التعامل مع صاحب الشخصية القاسية

وقد ينفع الآخرين عند تعاملهم مع صاحب الشخصية القاسية أن يضبطوا أعصابهم ويتمسّكوا بهدوئهم قدر المستطاع وأكثر مما هم معتادين أن يحتملوه فهم أمام شخص قد يحاول التلاعب بهم ليسخر من ردود أفعالهم أمام معارفهم واصدقائهم, لسبب أو من غير سبب فهذه قد تكون إحدى عاداته اليومية مع من حوله, وكأنه لا يهدأ له بال إلّا إذا أفسد أي لحظات تتَّسم بالسرور وراحة البال في أيامه وأيام الآخرين بالمشاحنات والمشاجرات, لهذا فعلى الآخرين أن يجاهدوا انفسهم على احتمال صاحب الشخصية القاسية لحين يغادر من عندهم, ولا يقعوا تحت تأثيره وقد قلب كيانهم رأساً على عقب تاركاً إيّاهم وكلّهم رغبة بأن يعاملوه بالمثل ليجعل منهم شيء مشابه له, فإن نجحوا الآخرين في الاحتفاظ على هدوئهم طيلة تعاملهم مع صاحب الشخصية القاسية, حتى غادرهم دون أن يضفر منهم بشيء من الجهالة والسوء ودون أن ينجح في التلاعب بهم, فليقولوا حينها كما ذُكر في الحديث ( من رأى مبتلًى فقال : " الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به ، و فضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا " ، لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ ).

( الابتلاءُ بأنواعِه كلِّها فيه فتنةٌ واختبارٌ للعبدِ، ويَنبغي عليه الصبرُ والدُّعاءُ للهِ، أما العبدُ الذي عافاهُ اللهُ؛ فإنه في نِعمةٍ يَنبغي شُكرُ اللهِ عليها، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحديثِ: "مَن رأَى مُبتلًى" بأيِّ بَليَّةٍ في البَدَنِ كمَرَضٍ، أو الدُّنيا كفقرٍ، أو الدِّينِ كعاصٍ، والمُرادُ برُؤياه: النَّظَرُ إليه أو السَّماعُ به، "فقال" أي: عَقِبَ رُؤيتِه في نَفْسِه أو بحيثُ لا يَسمَعُه؛ لِئَلَّا يكونَ شامتًا به: "الحمدُ للهِ الذي عافاني"، أي: نجَّاني وأنقَذَني "ممَّا ابتلاك به" دعا اللهَ عزَّ وجلَّ وحَمِدَه على حِفظِه مِن ذلك البلاءِ، "وفضَّلني"، أي: صيَّرني أفضَلَ منك، وأَكثَرَ خيرًا، وَأحسَنَ حالًا بالعافِيَةِ والسَّلامةِ مِن الابتلاءِ مِن ذلك أو أعَمَّ "على كثيرٍ ممَّن خَلَقَ تَفضيلًا" وهذا فيه شُكرٌ للهِ على السَّلامةِ مِن الشُّرورِ "لم يُصِبْه ذلك البلاءُ"، أي: كان ذِكرُ اللهِ وحمْدُه سببًا في أنْ يَحفَظَ المرْءَ ويحمِيَه مِن هذا البلاءِ الذي وَقَعَ بغيرِه؛ لأنَّه لا يأمَنُ أنْ يَقَعَ به؛ ولأنَّ اللهَ يُعافيه ويرحَمُه بدُعائِه، فيَنبغي للعبدِ أنْ لا يزالَ ذاكرًا نِعَمَ اللهِ عليه مُعتبِرًا في رُؤيَةِ العبادِ، ومُقِرًّا أنَّ ما به مِن نِعمةٍ؛ فمِنَ اللهِ.

وفي الحديثِ: أنَّ ذِكرَ اللهِ والثَّناءَ عليه يَحفَظُ الإنسانَ، ويُعافيه مِن البلايا  (. ( موقع الدرر السنيّة ( الموسوعة الحديثية ) ).

وقد يكون في التعامل مع صاحب الشخصية القاسية الكثير من المنافع والفوائد للآخرين, فترويض النفس على احتمال صاحب الشخصية القاسية دون أن يسمحوا له بالتلاعب بهم وبتصرفاتهم وبما عهدوهم منهم الناس من هدوء واحترام لأنفسهم وللآخرين, فقد يجدوا الآخرين بعد فترة من التعامل مع صاحب الشخصية القاسية وقد أصبحوا خبراء في ضبط أنفسهم وفي الحفاظ على هدوئهم في اصعب الأوقات وعند تعاملهم مع أسوء الشخصيات وأكثرها صعوبة وعدوانية إن شاء الله.

وقد ينفع الآخرين أن يكونوا حازمين في التعامل مع صاحب الشخصية القاسية, مهما صدر منه من تهديدات وعدوانية وسخرية, وذلك لأن صاحب الشخصية القاسية قد يكون معتاداً على التلاعب بقرارات الآخرين بهذه التصرفات, فيجعلهم يخضعون لآرائه هو حتى فيما يخصّهم هم, وعلى الأغلب ستكون ردود أفعاله أقسى وأسوء عندما يتعلّق الأمر بمصالحه الشخصية فقد لا يبالي بكل الموانع التي قد تمنعك عن تنفيذ أوامره ومطالبه, حتى لو كان فيها اضراراً جسيمة عليك, فكل ما يهمّه هو أن يحصل على ما يريده هو فقط. فالحزم مع صاحب الشخصية القاسية قد يجعله يقتنع بأنك لن تتأثر بتصرفاته مهما كانت وأنك لن تسمح له بالتلاعب بك. وحينها سيضطر صاحب الشخصية القاسية بأن يتجنّب التعامل معك مخلّصاً إياك من ضرورة التعامل معه.

ولكن إن كان المرء مضطراً للتعامل مع صاحب الشخصية القاسية, فقد ينفعه أن يؤكّد لنفسه بأن تصرفات صاحب الشخصية القاسية تخصّ صاحبها, ولا تخصّه هو , وبالتالي يقرر أن يتعامل مع صاحب الشخصية القاسية بطريقته هو وليس بطريقة صاحب الشخصية القاسية, مانعاً بذلك صاحب الشخصية القاسية من أن يتلاعب بتصرفاته أو أن يحوّله إلى نسخة منه.

وقد ينفع الآخرين عند تعاملهم مع صاحب الشخصية القاسية, أن يصغوا إلى حديثه ويقللوا قدر الإمكان من التحدث, وذلك حتى يستطيعوا أن يتعرّفوا على طريقة تفكيره فيستخدموا ما يقوله في الحديث والتعامل معه, حيث إن حاولوا الآخرين أن يتعاملوا معه بالطريقة التي يعرفونها فقد تكون مخالفةً تماماً لرؤيته هو وحينها لن يقتنع بشيء مما يقولونه له, وقد لا يحاول حتى الإصغاء إليهم, ولن يستمع إلّا لما يوافقه هو, وبالتالي قد لا يتمكنوا الآخرين من جذب اهتمامه بالحديث المعتاد وبطريقة التفكير المعتادة, ولكن قد يُصغي إلى الآخرين إذا ما تحدثوا على حسب طريقة تفكيره, والتي لن يستطيعوا التحدث بها إلّا إذا حاولوا الإصغاء جيداً لما يقوله, ومن ثم استخدام ما يقوله من آراء ومعلومات معه لتلمّس الطريق الصحيح إلى عقله وإلى طريقة تفكيره.

وقد ينفع الآخرين عند التعامل مع صاحب الشخصية القاسية أن يحاولوا الابتسام في وجهه ابتسامة صادقة, فإن الابتسامة تُشعر الآخر بأنه مرحب به كما إنها قد تُذيب بعضاً من قسوة قلب صاحب الشخصية القاسية, وفي الحديث: ( لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ ).

وقد ينفع الآخرين عند تعاملهم مع صاحب الشخصية القاسية أن يقابلوا أسوء ما عنده من خُلُق بأحسن ما عندهم من خُلُق, فإن من شأن ذلك أن يقلب الأمور رأساً على عقب, فبعد أن كانوا الآخرين يلاقون من صاحب الشخصية القاسية الأسوأ فقد ينقلب في تعامله معهم إلى أحسن ما يمكنه أن يُظهره, قال تعالى: (( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) )) (سورة فصلت) آية (34).

( وقوله) :  ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ( أي : فرق عظيم بين هذه وهذه ، ) ادفع بالتي هي أحسن ( أي : من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه ، كما قال عمر [ضي الله عنه] ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .

وقوله) :  فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( وهو الصديق ، أي : إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك ، والحنو عليك ، حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي : قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك .) ( موقع جامعة الملك سعود – المصحف الإلكتروني ).

إن من السهل إغضاب صاحب الشخصية القاسية, لهذا فعلى الآخرين أن ينتقوا أحسن الكلام والأحاديث وأحسن الكلمات لئلّا يُغضبوا صاحب الشخصية القاسية, وليئمنوا شيئاً من جانبه, والخروج من عند صاحب الشخصية القاسية من دون أن يضفر منك بشيء قد يجعله يحقد عليك ولكنه لن يجد أي عذر لإظهار هذا الحقد, حيث قد يبدو وكأن هدف صاحب الشخصية القاسية أن يتحصّل على أكبر قدر ممكن من الحقد والضغينة اتجاه الآخرين من أكثر عدد ممكن من الناس, فيتحيّن الفرص للانتقام من معظمهم إن لم يكن كلهم, فإن مجرّد الخروج سالماً من لقاء صاحب الشخصية القاسية من دون أن تتسبب بشيء يجعله يحقد عليك لهو خيرٌ عظيم بحدّ ذاته ودرءٌ لشرٍّ عظيم. ومن هنا نرى أن صاحب الشخصية القاسية في محاولاته المختلفة في إغضاب الآخرين واستفزازهم والتلاعب بهم, كمن يُلقي الناس بالحجر وبيته من زجاج, فعلى صاحب الشخصية القاسية أن يحمد الله على غفلة الآخرين بنقطة ضعفه وهي سهولة التحكم به والتلاعب به وإغضابه في أي وقت وفي أي مكان, فبدل أن يُلفت انتباه الآخرين إلى هذا الأمر بمحاولة إغضابهم في كل مناسبة, والذين قد ينتقمون منه في الغد بنفس طريقته التي اتبعها معهم وحينها سيرى صاحب الشخصية القاسية كيف هو باب البلاء العظيم الذي فتحه على نفسه, حيث أن غالباً ما تكون ردود أفعال صاحب الشخصية القاسية أسوء بكثير من ردود أفعال ضحاياه, مما سيدخله في مواقف محرجة كثيرة أمام الآخرين تفوق بكثير المواقف المُحرجة التي أوقع فيها ضحاياه.