حبسة الكتابة وشبح الصفحة البيضاء: كيف تغلبت عليها؟

  • sibrahim

في الأسبوع الماضي، علقت في تلك الزاوية المظلمة التي يعرفها كل من يمارس الكتابة، ولم أكتب كلمة واحدة، رغم أنني حددت هدفي بوضوح وراجعت ما يكفي من المصادر لتغذية الأفكار. ومع نهاية اليوم، أدركت أن "التدفق" ببساطة لن يكون حليفي هذا اليوم، فاستسلمت مؤقتًا.

لكن المساء حمل لي المفتاح خلال نص كنت أقرؤه، يقول:

الحبسة هي نتيجة قرار خاطئ قمت باتخاذه. ومهمتي هي العودة للوراء، لرؤية ما إذا كنت قادرة على تحديد مفترق الطرق حيث مضيت نحو الاتجاه الخاطئ. 

هذا الطرح فتح أمامي زاوية جديدة، ماذا لو لم تكن المشكلة في الأفكار أو وضوح الهدف؟

الكتابة ليست وصفة جاهزة، بل تعتمد على التجربة والخطأ، وتجريب مسارات، ومحاولات لا تُقاس بالنجاح الفوري. لذا لن يستطيع أحد إخبارك بإجابات حاسمة لأي مشكلة تواجهها أثناء مرحلة إنتاج نص قوي، يكفي أن تُمسك طرف الخيط وتتبّع الاحتمالات، علّ أحدها يوصلك إلى مسارٍ مفتوح. وهكذا أخذت خطوة إلى الوراء في اليوم التالي، وبدأت أُ كرر على نفسي إجابة الأربع أسئلة الإرشادية التي دوّنتها اليوم السابق:

  • مَن أساعد؟
  • لماذا أُساعده؟
  • كيف أُساعده؟
  • وماذا أُقدّم له بالضبط؟

وشيئًا فشيئًا، بدأت الكلمات تتدفق من جديد.

أحيانًا، لا نحتاج لحل خارجي لحبسة الكتابة، بل لنقطة هدوء ننظر منها عن بُعد إلى الحالة التي نمّر بها، لنتمكن من استعادة الاتصال بين ما نريد قوله، ولمن نكتبه، ولماذا.

شاركني أيضًا تجربتك، كيف تغلّبت على آخر مرة حدّقتَ فيها في صفحة بيضاء؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طريقة الأسئلة والعودة وللوراء إبداعية وكريتتف جدًا، أحييكِ عليها..

أنا بالنسبة لي أحب تعريض نفسي لمصادر جديدة.

ماذا أريد أن أكتب؟

هل أريد كتابة مقطع لفيديو على منصة ما مثلًا؟

أفتح تلك المنصة وأغرق في الفيديوهات، وحينها يبدأ الإلهام يتدفق إليّ من جديد.

حتى أن منصة إنستاغرام أدركت هذا الشيء وجعلت هناك قسم كامل ليلهم صناع المحتوى بالأفكار الجديدة.

لفتني في ردّك يا رغد تركيزك على فكرة التعرّض لمصادر جديدة كمفتاح لتجاوز الحبسة. هل ترين أن هذه الطريقة كافية وحدها؟ أم أن هناك أحيانًا أسباب أعمق لحالة الحبسة؟

بالنسبة لي، أعتبر مرحلة البحث واكتشاف أبعاد الفكرة خطوة أساسية. معرفة ماذا أريد أن أكتب، والغوص في المصادر، يساعدني على فهم الفكرة من كل زاوية، وبناء معالجة تخدم الهدف مع الاحتفاظ بالقيمة.

لكن التحدي الحقيقي يظهر عند الانتقال من الفهم إلى التعبير. كيف أكتب بأسلوب واضح، بسيط، ومباشر؟ هذه هي المعادلة التي أجد نفسي أعيد اكتشافها في كل مرة. أحيانًا يكون المسار سلسًا، وأحيانًا تظهر حبسة جديدة تختلف عمّا عالجته من قبل. أحتاج وقتها إلى التوقّف، إعادة الفهم، وتفكيك العقدة، حتى تعود الكلمات للتدفق، مستندة إلى كل ما قرأته وتعمّقت فيه من قبل.

أحد المفاتيح التى ساعدتنى فى التغلب على شبح الصفحة البيضاء كان الإدراك أن الصفحة البيضاء ليست عدواً، بل مرآة ، تعكس ارتباكى الداخلى أو عدم اتضاح نيتى من الكتابة. ووجدت أن أكثر ما يعيدني للحالة الكتابية ليس الجرى وراء الأفكار، بل العودة للنبض الأصلى الذي جعلني أكتب أساسًا. كما أشرت ليس السؤال "ما أكتب؟" بل "لمن أكتب؟ ولماذا؟" ، ويوجد اقتراح لجوليا كاميرون فى كتابها الشهير The Artist’s Way تقنية صفحات الصباح ، وهى كتابة ثلاث صفحات يدويًا كل صباح دون توقف أو هدف . شكرًا لأنك كتبت هذا الطرح فهو بحد ذاته دليل على أنك لم تهزمى الحبسة فقط، بل حولتيها إلى مادة تلهم غيرك.

ما ذكرته يصف بدقة حالة نعيشها نحن أيضا في مجال التصميم الجرافيكي، وتعرف عندنا باسم "Creative Block". وهي لحظة تتوقف فيها الأفكار، وتصبح الصفحة البيضاء (أو لوحة التصميم) خصمًا عنيدا مهما راجعنا المراجع أو وضحنا هدف المشروع.

أحيانا نكون نعرف ماذا نصمّم ولمن، لكن الفكرة لا تولد ببساطة، وكأن شيئا ما في الداخل يحتاج لإعادة ترتيب قبل أن تنطلق شرارة الإبداع من جديد.

شخصيا، تعلمت أن "الحل ليس في إجبار النفس على الإنتاج، بل في خلق مساحة هادئة أراقب فيها نفسي وأفكاري دون ضغط". أخرج أحيانا من جو التصميم كليا

ما ساعدني فعلً، كما ساعدك، هو التراجع خطوة للخلف، والتعامل مع الركود كجزء من عملية الإبداع، لا كفشل.

الإبداع ليس خطا مستقيما، بل موجة مد وجزر، والمفتاح أن تبقى حاضرا في انتظار الموجة التالية، لا أن تغرق في لوم الذات.

بالنسبة لي آخر مرة واجهت فيها حبسة كتابة حاولت أخرج من فكرة إن لازم أكتب شيء "كبير" أو "عميق"، وبدل ذلك بدأت أكتب أي شيء يخطر ببالي، حتى لو كان غير مترابط أو بسيط، واكتشفت أن المشكلة أحيانًا تكون في توقعاتي من النص قبل حتى أن أكتبه، كأني أريد أن يولد كاملًا من أول سطر!

لما تخليت عن هذا الضغط، وتصالحت مع فكرة أن المسودة الأولى فوضوية بطبيعتها، رجعت تتدفق الكلمات بشكل طبيعي.

أعجبتني طريقتك ، ولكن الكتابة بوجهة نظري تحتاج للتخطيط الذكي أولاً المدمج مع الإبداع بالطبع

فإذا كنت أكتب قصة أو كتاب أحاول من البداية بناء فكرة واضحة أقوم بصياغتها في ملخص وافي أو حتى مختصر كبداية ، ثم أبدأ بالانطلاق في نفس رحلتك ولكن بشكل مصغر ، فحينما أكتب سيناريو فيلم مثلاً أقوم بالعادة بتحويل الملخص إلى معالجة تفصيلية قد أقوم أيضاً في كتابة ملخص كل مشهد في كرت ورقي أو نوت صغيرة أقوم بتعليقها عندي على لوحة الحائط بترتيبها الأصلي ... وأنظر للعلاقات بين الأحداث والمشاهد والتتابع هل هو الأفضل .. هل إن قمت مثلاً بوضع المشهد رقم 15 بدلاً من المشهد رقم 9 هل سيحدث تأثير أكبر ..

كل هذا قبل أن أبدأ بالكتابة من الأساس ، فأنا عادتاً ما أميل للكتابة في داخل رأسي أولاً أتخيل كل شيء قابل أو غير قابل للحدوث .. أترك تلك المعارك تدور كلها بداخل رأسي .. حتى ينهكني الصراع ويفرض نفسه للظهور على الورق حينها أنطلق لعمل تنظيم المخطط الأخير ومن ثم الكتابة بلا توقف أو هودة .. أحياناً لا أنام حتى أنتهي أو أسقط منهكاً من شدة الاعياء وليس من قلة الحماس .. فأنا لا ألبث إلا بالنهوض واستكمال تلك الرحلة للدرجة التي تدفعني أحياناً لأن أحلم بالشخصيات التي أكتبها حرفياً .

بالنسبة لي، الحركة أهم من الانتظار؛ الكتابة تُفتح بالكتابة، لا بالتفكير المطوّل. أحياناً تكون حبسة الكتابة ناتجة عن رغبة زائدة في الكمال، فنضع لأنفسنا سقفاً عالياً يخنق أي محاولة للتعبير. شخصياً، وجدت أنّ العودة لأسلوبي البسيط، دون التفكير في جودة النص النهائي، كانت كفيلة بكسر الجمود. أبدأ بالكتابة وكأنّي أُحدّث صديقًا، لا محرراً ولا قارئاً ناقداً. المفارقة أنّ هذه المحاولات غير المتوقعة، هي غالباً ما يُنتج أفضل النصوص. لم أعد أُحارب الصفحة البيضاء، بل أسمح لها أن تُدهشني حين أبدأ.