بدأتِ القصة حين اكتشفتُ جهازاً غريباً مُلقى على الأرض بجوار المنزل. دفعني فضولي إلى التقاطه، وبلا تفكير، ضغطتُ على الزر الوحيد فيه. فجأة، شعرتُ بدوار شديد، وكأنَّ الأرض انسحبت من تحتي، ثم فقدتُ الوعي.
عندما استيقظتُ، وجدتُ نفسي في مكانٍ مألوفٍ بشكلٍ غريب. نظرتُ حولي، فرأيتُ الحيَّ الذي وُلِدتُ فيه، لكنه بدا مختلفاً ... أقدم! التقطتُ ورقةً ملقاةً بجانبي، إنها روزنامةٌ، وكان التاريخ يوم الجمعة، العاشر من حزيران عام 2010! لم أصدق عينيّ، لقد عدتُ بالزمن! شعرتُ بمزيجٍ من الدهشة والفرح العارم يغمرني، فهذا العام كان من أحب الأعوام إلى قلبي.
نهضتُ ببطء وبدأتُ أسير في شوارع البلدة. كان صباحاً جميلاً، حوالي العاشرة. رأيتُ الأطفال والرجال يتوجهون إلى محل الفلافل، حاملين صحوناً فارغةً لملئها بالفول، كعادة السوريين في فطور يوم الجمعة. نظرتُ إلى المحل، كان مزدحماً بالحياة، كأنه عالمٌ منفصل عن الزمن.
تابعتُ طريقي إلى الجامع، حيث كان الإمام ومساعدوه يشطفون الساحة، استعداداً لصلاة الجمعة. كل شيءٍ بدا كما كان، وكأنني لم أترك هذا المكان أبداً. لكن ما شدَّ انتباهي أكثر، كان مشهد فتاةٍ صغيرةٍ تقف عند أحد المحلات، تحمل بيدها بعض الليرات. عند اقترابي، تجمدتُ في مكاني... إنها أنا! سيزورا الصغيرة، بعمر العاشرة، بوجهها الطفولي، وملامحها العسلية الخجولة، وخدودها الوردية.
اقتربتُ أكثر، لكن الصغيرة تراجعت بخوف. تذكرتُ تحذيرات أمي لي حين كنتُ طفلة: "لا تتحدثي مع الغرباء." شعرتُ برغبةٍ قويةٍ في احتضانها، في إخبارها بكل شيءٍ، لكنني كنت أعرف أن ذلك مستحيل.
انحنيتُ قليلاً لمستواها، وابتسمتُ بلطف:
– ما اسمكِ؟
– سيزورا، عمري 10 سنوات، وأنا في الصف الرابع.
نظرتُ إليها بحنينٍ، كدتُ أخبرها أنني هي، بعد 14 عاماً. كدتُ أحذرها من المستقبل، من الحرب التي ستسرق طفولتها، من الأيام الثقيلة التي تنتظرها. أردتُ أن أقول لها أن تضع نفسها أولويّةً، أن تكتب دائماً ، أن تتمسك بالأمل مهما حدث. لكنني لم أفعل.
تنفستُ بعمقٍ، ثم انحنيتُ أكثر حتى أصبحتُ على مستوى عينيها. نظرتُ إليها بحبٍ، تلك العيون العسلية التي لم تفقد براءتها بعد، وتلك الخدود الوردية التي لم تعرف معنى الحزن. شعرتُ برغبةٍ جارفةٍ في احتضانها، في انتشالها من كل ما سيأتي.
تعرفين، سيزورا؟ الحياة أحياناً تكون قاسية، لكنكِ أقوى مما تتخيلين.
لم تفهم كلماتي تماماً ، لكنها ابتسمت بخجل. واصلتُ الحديث بصوتٍ دافئٍ:
لا تخافي من الأحلام الكبيرة، ولا تصدقي من يقول لكِ إنها مستحيلة. كوني دائماً أنتِ، لا تسمحي لأحدٍ أن يطفئ نوركِ، لا تسمحي لأحدٍ أن يخبركِ أنكِ لستِ كافية. والأهم... اكتبي، دائماً اكتبي، فالكلمات ستكون سفينتكِ وسط العواصف.
لم ترد، لكنها كانت تنظر إليّ بفضول، كأنها تحاول أن تفهم سر الحنين الذي يملأ عينيّ. لم أستطع أن أخبرها بالمزيد، ربما لأن بعض الأشياء يجب أن تُعاش، لا أن تُقال.
مددتُ يدي ولمستُ شعرها برفقٍ، ثم همستُ لها وكأنني أعد نفسي قبلها:
مهما حدث، لن أسمح لأحدٍ أن يسرق منا روح الطفولة، لن أسمح لأحدٍ أن يخمد ذلك البريق.
ثم استدرتُ ورحلتُ، بينما شعرتُ بشيءٍ دافئٍ ينهمر على وجنتيّ. لم أكن أعرف إن كانت دموعي، أم دموع الطفلة التي تركتها خلفي، تسير نحو مستقبلها المجهول.
التعليقات