صديقي العزيز،

أكتب لك هذه الرسالة بمشاعر طفلة بريئة في الثانية عشرة من عمرها. في أحد أيام صيف 2012، كانت الثورة السورية قد بدأت بالاندلاع في مناطق ريف دمشق، ولم تكن منطقتنا استثناءً.

ففي ليلة الجمعة، ليلة لا نوم فيها، خرج الأحرار إلى الساحات هاتفين بلا خوف: "ارحل الآن عنا"، فجاءهم الرد برصاص حي، قاتلاً أحلامهم البسيطة في حياة كريمة. في تلك الليلة، التي ما زالت محفورة في ذاكرتي، سمعت لأول مرة صوت المدفعية. ارتجف جسدي من شدته، وركضت نحو أمي، أختبئ في حضنها، بينما تسمرت عيناي بلا حراك من الخوف. لا يزال ذلك الصوت يرن في أذني حتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الحادثة.

حاولت أمي طمأنتي قائلة إنه مجرد صوت، ولن يصيبني أذى. الآن، وأنا أنظر إلى الماضي، أدركت أنها كانت خائفة مثلي، لكن لا مكان للخوف في وجود الأبناء. كان عليها أن تتحلى بالقوة أمامي، فهي بطلي الخارق الذي لا يهزم.

مرت ساعات، وما زالت الأصوات تملأ المكان. تشجعنا قليلاً بدافع الفضول لمعرفة ما يحدث في الخارج. صعدنا إلى السطح، ورأيت فقط منارة الجامع مضاءة. حاولت أن أرفع نفسي لأرى المتظاهرين، لكن قصر قامتي حال دون ذلك، فاكتفيت باستراق السمع والنظر، بينما تدور في رأسي أسئلة كثيرة: لماذا يتظاهرون؟ ولماذا يتم الرد عليهم بالرصاص والأسلحة الثقيلة؟ سمعت أمي تبكي، تدعو الله أن يحميهم. لم أفهم تماماً ما كان يحدث، لكنني كنت أعتقد أنها تبالغ... حتى بزغ فجر اليوم التالي.

عندها، انهالت على منطقتنا أشد أنواع الأسلحة، وقُوبل السلام بالحرب. انفتحت علينا أبواب الجحيم حتى ظننت أن الموت قادم لا محالة، وأن النجاة من هذه المعركة ستكون معجزة. استمرت الحرب أسبوعين بلا ماء، بلا طعام، بلا كهرباء، والأهم... بلا أمان.

بدأت حينها في كتابة مذكراتي، وشبهت أصوات المعارك بالفوشار المتطاير. مرت الأيام بصعوبة، ومع تكرار مشهد النزوح كل يوم، ازداد خوفي على نفسي وعائلتي. شعرت وكأننا وسط حملة إبادة جماعية وحشية، كنت أبكي من الرعب، وأهلوس كل ليلة بأن غدًا سيكون آخر يوم في حياتي.

وحين ساءت الأوضاع أكثر، قررنا الرحيل. جمعت مقتنياتي الصغيرة:( ألبوم الصور، مذكراتي، وألعابي،) ثم وقفت أمام منزلي، أحدق فيه، وداخلي سؤال يقتلني: هل سأعود إليه يوماً ؟ أم أن هذه هي لقطة الختام؟