الكتابة بين الشغف والهوس ...كيف ذلك؟

تصنف الكتابة ضمن الفنون الإبداعية التي تجمع بين التعبير عن العواطف الجياشة والمشاعر الفياضة وبين التثقيف بتقديم الأفكار والمعلومات وبين التواصل مع القارئ عبر سيل من الأحرف والكلمات، لذا يعد الكاتب سجلا لكل الأفكار ونتاجا لمجتمع يعيش واقعه و يشارك مشاكل أفراده، فينقل كل ذلك في قالب إبداعي بسيط في متناول القارئ الذي قد لايكلف نفسه إلا عناء إقتناء لكتاب أو بضغظة زر لقراءة ما نُشر، في حين الكاتب قد أستهلك منه الكثير من الأشياء لظهور كلماته في نسختها النهائية.

ومن المعلوم أن الكتابة قد تبدأ بشغف لتستمر لحد الهوس الذي يشعر صاحبها برغبة المفرطة في الكتابة في كل الأوقات، فاللحظة التي تحضر فيها الفكرة إلزامي عليها أن تدون وإن لم تكن في ظروفها المناسبة. 

فالشغف يعد شعور قويّ يملأ الكاتب بدفعه للكتابة والاهتمام البالغ بالأفكار و المواضيع التي تشغل باله، لكن الشغف الزائد قد يتحول لمرض يدعى بمصطلح " Graphomania" المعروف أيضا باسم "scribomania" الذي يعني هوس الكتابة إذ يصنف ضمن مجال الطب النفسي الذي يعني رغبة مرضية وجاذبية مؤلمة بشغف الكتابة لا تقاوم في غياب القدرات المناسبة لكتابة نصوص ذات قيمة ثقافية أو كتابة عديمة الفائدة. 

-نلامس الكتابة التي تتدحرج بين الشغف والهوس لسلسلة من الكُتاب من بينهم:

  • أبو القاسم الشَّابِّي الملقب بشاعر الخضراء شاعر تونسي الذي توفي وهو في الخامسة والعشرين من عمره كان يقول أن الالهام لا يأتيه الا في الهزيع الأخير من الليل وكان يضطر الى استخدام فحم الحطب كطبشورة يكتب بها على جدران الغرفة التي يقيم فيها حتى اذا جاء الصباح عمد الى نقل ما كتب على الجدار الى كراس وكان ذلك يتسبب في مشاجرات مع الأهل ولكنه كان يقول لهم أنه مضطر الى التعامل مع العملية الابداعية على هذه الشاكلة.
  • إرنست همينجواي الذي يعد من أهمّ روائيّي القرن العشرين الحائز على جائزة نوبل في الأدب قيل عنه أنه كان يصعد أعلى منزله، يكتب واقفا بالقلم الرصاص مرتديا حذاء اكبر من مقاسه، وكان يتابع عدد الكلمات التي يكتبها يوميا "كي لا يخدع نفسه" على حد قوله وحين يتوقف إلهامه الكتابي، يترك العمل على الروايات والقصص ويتجه للردّ على رسائل البريد.
  • محمود درويش الشاعر الكبير قد اعتاد على نمط حياة معين، كان ينهض باكرا يبدأ بحلاقة ذقنه، وتناول قهوته، ثم ارتداء ملابسه كاملة، كما لو كان لديه موعد غرامي، ليجلس وراء منضدته ليبدأ بكتابة أشعاره أو انتظار الإلهام، كان يكتب بقلم حبر سائل على ورق غير مسطر ثم يمزق الأوراق ويعود للكتابة ثانية ويستمر مسلسل تمزيق الأوراق طويلا قبل أن يقتنع بما يكتبه..

*من خلال ما ذكر سلفا، تذكرت ما حدث للفنان الهولندي   فان جوخ الذي قطع أذنه، وبعد ذلك رسم نفسه بأذن ممزقة ليصبح مشهورًا عالميا، بغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي دفعته للإقدام على قطع الأذن وفي وسط تعدد الروايات التي تنفي علاقة حبه بالرسم وبين ماقام به، إلا أن من المعلوم أن الشغف قد يتحول الى إلهام قاتل لصاحبه، قد يضحي بصحته من أجل أعماله، هكذا ما يحدث مع الكاتب يضحي بوقته، بتأخره عن موعده، يفقد وظيفته من أجل أفكاره التي لايردها أن تبقى حبيسة بل يراها تستحق أن تسمع وأن تعرف أمام العلن وهذا ما عبر عنه الكاتب الفرنسي أندريه جيد لوصف الحالة التي تجمع بين الهوس والشغف للكتابة يقول:" ان أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل وينبغي التموقع بينهما بالقرب من الجنون حين نحلم وبالقرب من العقل حين نكتب.."

*في الأخير، وأنا أنسج هذه الكلمات التي تقرؤونها الأن، لا أعلم إن كان هذا نابعا بشغف أو وصل الى حد الهوس وهذا بحسب الظرف الذي يقام فيه، الساعة تشير الرابعة فجرا، أحارب النوم من أجل أن تنتصر هذه الأحرف لتسبح بحرية في هذا الفضاء، وما يحدث الأن بالضبظ أعتبره جنونا وفقط.

وماذا عنكم يا أصدقائنا الكُتاب؟ هل أنتم في مرحلة الشغف أو الهوس بالكتابة؟ شاركوا معنا بعض من الطقوس الغير الإعتيادية التي تمارسونها؟

كيف ترون مسألة أن يصبح الكاتب شغوفا بالشئ الذي يحبه ليصل به الى حد الهوس والجنون به؟ وكيف بإمكانه الموازنة في هذه المسألة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هناك تشابك أريد فضه في هذه المسألة، الهوس بالفن رائع، لكن الإفراط من اي شيء غير محمود، يربط العديد من الناس بين الموهبة أو الثقل ككاتب وبين الممارسات المؤذية للنفس كشيء محبذ، بالفعل قطع جوخ لأذنه كانت شكلًا من أشكال الفن، لكني لا أظنه فعلها للفن، ولكن لهذه الميول النفسية العدائية تجاه الناس، لو تعلمين، هذه ليست أمور عظيمة، إنها اضطرابات تحتاج إلى معالج، وهذا هو الأمر ليس إلا.

يمكن أن نصف الهوس (التجلي) بأنه نسيان الشخص لكل ما يدور حوله لأنه يقف أمام نصه أو لوحته، مثل الذي حدث مع أرشميدس الذي وقف أمام دوائره بينما كانت الحرب مشتعلة في بلاده وحوله، حتى أن أحد جنود العدو دخل عليه وأرداه قتيلًا بينما كان في تجليه هذا، وكان كل ما قاله هو "لا تلمس دوائري"، لا يمكنني أن أعيب هذا التجلي، بالعكس أنا مغرم به، فالرجل لم يعكف على سلخ جلده أو تهشيم رأسه، وإنما ظل هائمًا فيما يفعله حتى الموت، وذاك هو التجلي الحقيقي.

أما عن هيمنجواي، فلقد قرأت نصيحته "على الكتاب أن يكتوبا وقوفًا من أجل أن يتعلموا كتابة عبارات قصيرة"، لكنها المرة الأولى التي أسمع فها قصة وقوفه هذه.

أنا كاتبة، ويؤسفني أن أعترف أن معظم الكتاب كنت أجدهم وأنا طفلة صغير مجانين وغريبي الأطوار، لا أتحدث عن الكتاب العاديين، بل العباقرة المشهورين، أذكر منهم كاتبا مغربيا يدعى "شكري"، الذي كان يعرف بالكاتبة الجريئة والمواضيع الحساسة، وقد عرف أن رحل عن الحياة وهو لا زال في أوج عطائه للكتابة، لطالما كانت له فلسفة أن والده المتوحش جعله لا يؤسس أسرة، توفي دون أن يتزوج ولا يلد، كي لا يعذب أطفاله، فنزعته اللاشعورية ستجعله يمارس نفس العنف الذي مورس عليه وإن كان دون قصد، لذا من الأفضل من البداية أن لا يؤسس لا اسرة ولا أبناء..

كنت أعبتره مجنوناّ، ورواياته نجحت لتترجم لما يفوق الثلاثين لغة، لذا أظن أن الجنون والغرابة ترتبط بالنجاح، هل تفضلين أن تكوني مهووسة وعبقرية كاتبة يعرفك الجميع، أم مجرد شخص عادي ينساه الجميع بعد 3 أيام من وفاته؟

أن يرى المرء افكاره ومشاعره وهي مكتوبة مختلفة تماماََ عن كونها تسبح في خياله، فعلا للكتابة هالة تحيطها، فالكتابة تُريح كل من يمارسها حتى لو لم يُرزق هذه الموهبة، لكن استعجبت فعلاََ من الأمثلة التي ذكرتيها بس لا أرى أنها هوس بالكتابة ككتابة أرى أنها هوس وحسب، فإن لم تكن بالكتابة فستكون بشئ آخر، لأن الشخص نفسه ينجرف وراء هذا الشئ دون معنى، دون هدف، دون أن يسأل نفسه من أنا؟ ولما أفعل ذلك؟ وإلى أين سأسير بفعلي؟. لذلك نجد الكثير من الكُتاب ممن أفادوا وغيروا مصير أمم بكتاباتهم حتى لو كان إنتاجهم عمل وواحد، وكُتاب آخرين لهم العديد من السلاسل والأعمال التي هي في حقيقة الأمر لا تُفيد بشئ ولا تُقدم للقارئ سوى وجبة دسمة يهرب بها من واقعة الذي لا يستطيع التعامل معه.

عندما أرى هذا النوع من الهوس والأفعال الغير منطقية يتبادر إلى ذهني سؤال واحد مما يهربون؟!! وغالباََ عن مطالعة سير هؤلاء تجدهم كانوا يعانون بالفعل من مشاكل نفسية واجتماعية.

الكاتب لا يولد كاتبا .. و لكنه يتشكل شيئاً فشيء .. تماما كالثمرة علي الشجر .. تنضجه كثرة قراءاته .. حتي اذا وصل الي مرحلة معينة ظهرت عليه اعراض الموهبة .. ثم ارقته افكاره و دفعته دفعاً الي تقييدها علي الورق .. فالفكرة فقط هي من تدفع الكاتب دفعا الي التقاط قلمه و اوراقه .. اما غير هؤلاء ممن لديهم هاجس الكتابة لدوافع كالشهرة و حب الظهور و ادعاء الثقافة فسرعان ما ينطفيء شغفهم و يختفي الهاجس لديهم

هل ما قام به الرسام يعتبر شغف ؟ اقرب إلى الهوس أو المرض وليس الشغف .

الخيال يمكنه ان يفعل ذلك دون أن يقوم بقطع أذنه، لا أدرى بماذا كان يفكر وقتها ولكن حدث ما حدث .

لكل شيء حدود، حتى الكتابة لها حدود، لا ينبغي أن تكور بنا لحد الهوس لأنها ستؤتي بنتائح عكسية بالنهاية .

الكتابة التي تأتي من الشغف أفضل من تلك التي تأتي من الهوس وهذا ما انا أتبعه، لا وقت ولا مكان معين للكتابة، تخطر على بالي فكرة معينة أقوم بكتابتها بسرعة وإما أبدأ بالكتابة فوراً أو أقوم بتأجيلها لما بعد في وقت آخر .

الشغف هو الأمر الذي يسعى إليه الجميع وليس الهوس و الحنون لأن الحياة ليست كتابة فقط، هي مشاعر قد نعحز عن التعبير عنها كتابيًا فنكتفي بالشعور بها، هي مواقف نعايشها تؤثر ونتأثر فيها، الحياة ليس كتابة ولكن الكتابة حياة

صراحة اتساءل ما هو الذي من الممكن تسميته جنونًا لو تعلق الأمر بالكتابة؟ إلي أي حد يمكن أن يصل الجنون مثلًا؟

ماذا إذا كان كاتب يحاول قطع خطواته الأولى نحو ميدان الكتابة وهو الذي ياتيه الالهام لدى تلاشي الضوء واستحواذ الظلام على امكنة التدوين -المكتب- فكيف يشاهد ما يكتب؟ أو كيف لكاتب -نفس الكاتب في الحالة الأولى- يأتيه الالهام لدى استلقائه نائما إلى حدّ يفيض افكارا ومعلومات جديدة؟ وإذا قام للكتابة ينهض مسرعا في اللحظة. فتتشظى الفكرة ولا يتذكر .. على الرغم من قضاء الاسطر الأولى اتماما لها وللاسف متناسيا الأخرى فيعيد الكرة حتى يتمم النص. ق

عودا وقياما !! الله المستعان.

تأكد يا عمر بأن أي كاتب في هذا العالم يعاني من هذه المشكلة، هي الأفكار التي تتلاشى بسرعة، وتأتي بصعوبة، لكن مع ذلك كل واحد طريقته في محاولة تقليل من هذه المعاناة، مثلا شخصيا، عندما لا تكون الأوقات المخصصة للكتابة وتروادني أفكار صباحا أدونها في دفتر، وفي الليل في تطبيق على الهاتف مخصص للملاحظات، حتى يسهل تذكرها في أوقات الكتابة.

لذلك مارأيك يا عمر أن تفكر في طرق تناسبك حتى تستطيع تقليل من هذه المشكلة.

نعم مشكورة سأفكر مليا في طرق تناسبني .. جزيل الشكر