في زاوية مهجورة من الوجود، حيث لا تصل ضوضاء الحياة، ولا تصمت تمامًا أصوات الموت، تنبض مكتبة غامضة، لا تراها العيون ولا تعرف الطريق إليها الأرواح إلا بعد أن تفقد آخر خيط يربطها بما كانت عليه.

هي ليست مكتبة من كتبٍ جامدة، بل من حياة، من نبضٍ متجمد في الورق، من مشاعر ظلت بلا نهاية، من أشياء لم تُقل، وعيون لم تُغلق في وداع.

تدخل الروح تلك المكتبة وهي لا تحمل اسمًا، ولا وجهًا، ولا ملامح. فقط ظلٌّ باهت يبحث عن ذاته المفقودة بين الأرفف. كل رفّ يحمل كتابًا مغلقًا بإحكام، كأن الحياة ذاتها ترفض أن تُعاد.

لكن لكل كتاب مفتاح، والمفتاح شعور.

ربما ندم، ربما حب لم يُعترف به، أو بكاء لم يُذرف، أو كلمة "سامحتك" التي لم تُقال في وقتها.

وحدها الأرواح التي تجرؤ على الشعور مجددًا، تفتح كتبها صفحة صفحة، تقرأ وجعها القديم، تتذكر وجه أمٍّ كانت تدعو لها كل ليلة، أو حبًا خبأته خلف ابتسامة، أو خيانة لم تتجاوزها يومًا.

الدهشة؟ أن كل كتاب يُقرأ، يُرسل ومضة نور إلى عالم الأحياء.

ربما في لحظة ما، شعرتِ أنتِ – في منتصف الليل – برغبةٍ عارمة في الكتابة عن وجعٍ لم تعيشيه، أو حبٍ لم تعرفيه.

تظنينه خيالًا، لكنه في الحقيقة صوت روحٍ قرأت نفسها أخيرًا...

وها أنتِ، تكتبينها، تمنحينها حياة جديدة...

كل ما نكتبه ليس منّا تمامًا، بل من أرواحٍ وجدت طريقها إلينا من بين صفحات الغياب.

كاتبة الأرواح التي لم تجد

صوتها بعد...