بسم الله الرحمن الرحيم

مقتطفات من كتاب (تاريخ موجز للزمان)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

كتاب (تاريخ موجز للزمان)، المؤلف: ستيفن هوكينج، المترجم: د. مصطفى إبراهيم فهمي، الطبعة الثانية: 2018، الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر، لبنان-بيروت، مصر-القاهرة، تونس.

1- ( من الشيِّق أن المؤلف ستيفن هوكنيج رجل مُقْعد، ألزمه مرض أعصابه وعضلاته كرسيّه ذا العجلات منذ أن كان في التاسعة والعشرين، وهو لا يستطيع حتى أن يمسك القلم ليكتب، بل لا يستطيع أن ينطق الكلام بوضوح. ومع ذلك فهو يُعَدّ أبرز المنظِّرين في الفيزياء منذ آينشتاين، ويشغل الآن كرسي أستاذ الرياضيات نفسه الذي كان يشغله إسحق نيوتن في كمبردج. وله بحوث علمية رائعة معروفة، أشهرها ما تناول فيه الثقوب السوداء في الفضاء ). الصفحة (7).

2- ( تطرح مشاهدات هابل أنه كان ثمَّة وقت يسمَّى الانفجار الكبير big bang، حيث كان الكون صغيراً لا نهاية لصغره وكثيفاً كثافة لا متناهية. وتحت ظروف كهذه تنهار كل قوانين العلم، وبالتالي تنهار كل قدرة على التنبؤ بالمستقبل. لو كانت ثمَّة أحداث مبكِّرة قبل ذلك الوقت، فإنها إذن لا يمكنها أن تؤثِّر في ما يحدث في الوقت الحالي. ووجودها هو ما يمكن تجاهله، لأنه لن تكون له أي نتائج ذات مشاهدات. ويمكن للمرء أن يقول إن الزمان له بداية عند الانفجار الكبير، بمعنى أن الأزمنة السابقة عليه هي ببساطة ما لا يمكن أن يُعرَّف… ). الصفحة ( 33 ).

3- ( … وكما أكد فيلسوف العلم كارل بوبر، فإن النظرية الجيدة تتميز بحقيقة أنها تصنع عدداً من التنبؤات يمكن من حيث المبدأ تفنيدها أو دحضها بالمشاهدة. وفي كل مرة نلاحظ فيها أن تجارب جيدة تتفق مع التنبؤات فإن النظرية تبقى، وتزيد ثقتنا فيها؛ ولكن لو حدث أن وُجدت مشاهدة جديدة متعارضة، يكون علينا أن ننبذ النظرية أو نعدِّلها. أو على الأقل هذا ما يُفترض أن يحدث. على أنك تستطيع دائماً أن تتشكَّك في كفاءة الشخص الذي أجرى المشاهدة ). الصفحة ( 35 -36 ).

4- ( واليوم يصف العلماء الكون في حدود نظريتين جزءيتين أساسيتين - نظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم. فهما الإنجازان الفكريان للنصف الأول من هذا القرن. نظرية النسبية العامة تصف قوة الجاذبية وبنية الكون بالمقياس الكبير، أي البنية بمقاييس تتراوح ما بين عدة أميال وما يصل إلى مليون مليون مليون ( واحد تتبعه أربعة وعشرون صفراً ) من الأميال، أي حجم الكون القابل للرصد. ميكانيكا الكم من الجانب الآخر تتناول ظواهر بمقاييس بالغة الصغر، مثل جزء من المليون من جزء من المليون من البوصة. على أنه لسوء الحظ، من المعروف أن هاتين النظريتين لا تتوافق إحداهما مع الأخرى، فلا يمكن أن تكون كلاهما  صحيحة. إحدى المحاولات الرئيسية التي تُبذل في الفيزياء اليوم، وهي أيضاً المبحث الرئيسي لهذا الكتاب، هي البحث عن نظرية جديدة تدمج النظريتين معاً - نظرية كَمّ للجاذبية. ليست لدينا بعدُ نظرية كهذه، وربما لا نزال بعيدين عن الحصول عليها، ولكننا نعرف بالفعل من قبل الكثير من الخواص التي ينبغي أن تكون لها. سوف نرى في الفصول القادمة، أننا نعرف من قبل قدراً له اعتبارات من التنبؤات التي ينبغي أن تصنعها نظرية كَمّ للجاذبية ). الصفحة ( 38 ). 

5- ( المكان والزمان

أفكارنا الحالية عن حركة الأجسام ترجع إلى الوراء حتى جاليليو ونيوتن. كان الناس قبلهما يصدِّقون أرسطو، الذي قال إن الحالة الطبيعية لجسم ما هي أن يكون ساكناً، وأنه لا يتحرَّك إلا إذا دفعَته قوة أو دافع. وبالتالي فإن الجسم الثقيل ينبغي أن يسقط بأسرع من الجسم الخفيف. لأنه سيكون له شدّ أكبر إلى الأرض.

والتراث الأرسطي يؤمن أيضاً بأن المرء يستطيع أن يستنبط كل القوانين التي تحكم الكون بالفكر: فليس من الضروري التحقُّق  بواسطة المشاهدة. وهكذا لم يهتم أحد حتى زمن جاليليو بأن يرى ما إذا كانت الأجساد ذات الوزن المختلف تسقط فعلاً في الحقيقة على سرعات مختلفة. يُقال إن جاليليو برهن على زَيْف اعتقاد أرسطو بأن أسقط أثقالاً من برج بيزا المائل. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه القصة غير حقيقية، ولكن جاليليو قام فعلاً بصنْع شيء مماثل: فقد دحرج كرات من أوزان مختلفة أسفل منحدر ممهَّد. والوضع يشبه الأجسام الثقيلة إذ تسقط رأسياً، ولكنه أسهل في ملاحظته لأن السرعات تكون أقل. وقد بيَّنت قياسات جاليليو أن كل جسم قد زادت سرعته بالمعدل نفسه، بصرف النظر عن وزنه. فمثلاً، يمكنك أن تطلق كرة على منحدر ينحدر متراً واحداً لكل عشرة أمتار تقطعها، وستتحرَّك الكرة أسفل المنحدر بسرعة تقترب من متر في الثانية بعد ثانية واحدة، ومترين في الثانية بعد ثانيتين، وهلم جرا، مهما كان ثقل الكرة. وبالطبع فإن ثقلاً من الرصاص سيكون سقوطه أسرع من الريشة، ولكن السبب في هذا هو فقط أن مقاومة الهواء تقلِّل من سرعة الريشة. لو أسقط المرء جسمين لا تعترضهما مقاومة كبيرة من الهواء، مثل ثقلَيْن مختلفَيْن من الرصاص، فإنهما يسقطان بالمعدل نفسه ). الصفحة ( 41- 42 ).

6- وكذلك هناك القانون لأن لا شيء ينتقل بأسرع من سرعة الضوء، وبسبب تكافؤ الطاقة والكتلة، فإن الطاقة التي تكون لأحد الأشياء بسبب حركته سوف تضيف إلى كتلته. وبكلمات أخرى فإنها ستجعل من الأصعب زيادة سرعته. وهذا التأثير لا تكون له دلالة حقاً، إلا بالنسبة للأشياء التي تتحرَّك في سرعات قريبة من سرعة الضوء. وكمثال فإنه عند سرعة تبلغ 10 في المائة من سرعة الضوء تزيد كتلة الشيء بما هو فقط أكثر من الطبيعي بـ 0.5 في المائة، بينما عند سرعة 90 في المائة من سرعة الضوء ستكون الكتلة أكثر من ضعف كتلته الطبيعية. وإذ يقترب الشيء من سرعة الضوء، فإن كتلته تتزايد دائماً بسرعة أكبر، وهكذا فإنه يستنفد المزيد والمزيد من الطاقة حتى يزيد سرعته. والحقيقة أنه لا يستطيع قط أن يصل إلى سرعة الضوء، لأن كتلته ستصبح عندها لا متناهية، وحسب تكافؤ الكتلة والطاقة، فإنه يستلزم قدراً لا متناهياً من الطاقة ليصل إلى ذلك. ولهذا السبب فإن أي شيء طبيعي يكون حسب النسبية مقيداً للأبد بأن يتحرك بسرعة أقل من سرعة الضوء. لذلك فإن الضوء وحده، أو الموجات الأخرى، التي ليست لها كتلة متأصلة، هو الذي يستطيع أن يتحرَّك بسرعة الضوء ). الصفحة (50 ).

{ هل هذا يعني أنَّ ما ليس له كتلة يمكنه أن يصل إلى سرعة الضوء ويتجاوزها؟}.

7- ( … فإننا لا نعرف ماذا يحدث في اللحظة الحالية بعيداً في الكون: فالضوء الذي نراه من المجرات البعيدة قد تركها منذ ملايين السنين، وفي حالة ما نراه من الأشياء التي على أقصى بعد منَّا، يكون الضوء قد بارحها من نحو ثمانية آلاف مليون سنة. وهكذا فإننا عندما ننظر إلى الكون فنحن نراه كما كان في الماضي ). الصفحة ( 62 ).

8- ( … وإذن فإن ما لدينا من براهين يدل على أن الكون ربما سوف يتمدَّد إلى الأبد، إلا أن كل ما يمكننا الوثوق به حقاً هو أنه حتى لو كان الكون سيتقلص ثانية، فإنه لن يفعل ذلك لمدة تصل إلى عشرة آلاف مليون سنة أخرى، حيث إنه ظل يتمدَّد من قبل لزمن يبلغ على الأقل هذا الطول. ينبغي ألا يزعجنا ذلك بغير داع: فبعد مرور هذا الوقت، ما لم نكن قد استعمرنا ما وراء النظام الشمسي، فإن الجنس البشري سيكون قد فنيَ منذ زمن طويل؛ سيندثر مع شمسنا! ). الصفحة (90).

9- ( … على أن معظم العلماء الآخرين كانوا على استعداد لتقبل ميكانيكا الكم لأنها تتفق تماماً مع التجربة. والحقيقة أنها نظرية ناجحة على نحو رائع وهي تدخل في أساس كل العلم والتكنلوجيا الحديثين تقريباً. وهي تتحكَّم في سلوك الترانزستور والدوائر المتكاملة، تلك العناصر الرئيسية في الأجهزة الإلكترونية مثل التلفزيونات والكمبيوترات، وهي أيضاً أساس الكيمياء والبيولوجيا الحديثَيْن. المجالات الوحيدة في العلم الفيزيائي التي لم تُدمج بعد فيها ميكانيكا الكم على نحو لائق هي الجاذبية وبنية الكون بالمقياس الكبير ). الصفحة ( 105 -106 ).

10- ( … الثقوب السوداء البدائية التي تزيد كتلتها على ألف مليون طن ( كتلة جبل كبير ) لا يمكن الكشف عنها إلا بتأثير جاذبيتها على مادة أخرى مرئية أو على تمدُّد الكون. على أن الثقوب السوداء، كما سنعرف في الفصل التالي، هي رغم كل شيء ليست حقاً سوداء: فهي تتوهَّج كالجسم الساخن، وكلما صغر حجمها ازداد توهجها. وهكذا، وبالمفارقة، فقد يثبت فعلاً في النهاية أن الثقوب السوداء الأصغر يكون الكشف عنها أسهل من الثقوب السوداء الكبيرة! ). الصفحة ( 169 ).

11- ( … وبعد المؤتمر ألقيت كلمة في ندوة عن النموذج التضخمي ومشكلاته في معهد سترتبرج الفلكي. وكنت قبل ذلك، قد جئت بشخص آخر ليلقي محاضراتي نيابة عني، لأن معظم الناس لا يمكنهم فهم صوتي. على أنه لم يكن هناك وقت للإعداد لهذه الندوة، فألقيت كلمتي بنفسي، بينما كان أحد طلابي الجامعيين يكرِّر كلماتي بعدي. وقد أوفى ذلك بالغرض جيداً، وأعطاني تواصلاً أكثر كثيراً بمستمعي… ). الصفحة ( 219 ).

12- ( هناك مشكلة أخرى لها علاقة وثيقة بكتَّاب روايات الخيال العلمي، وهي السفر السريع بين النجوم أو بين الكواكب. حسب النسبية، لا يوجد أي شيء يستطيع الانتقال بأسرع من الضوء وبالتالي فلوا أرسلنا سفينة فضاء إلى أقرب نجم مجاور لنا "ألفا سنتوري"، الذي يبعد عنَّا بما يقرب من أربع سنوات ضوئية، فإنها ستستغرق على الأقل ثمانية أعوام قبل أن نتوقَّع عودة المسافرين ليخبرونا عمَّا وجدوه. إذا كانت البعثة مرسلة إلى مركز مجرتنا، فإنها لن تعود ثانية إلا بعد مائة ألف عام على الأقل. نظرية النسبية تتيح لنا بالفعل عزاءً واحداً. إنه ما يسمَّى مفارقة التوائم التي ذُكرت في الفصل الثاني.

نتيجة لأنه لا يوجد معيار وحيد للزمان، وبدلاً من ذلك فإن كل واحد من الملاحظين لديه زمنه الخاص كما تقيسه الساعات التي يحملونها معهم، فإن من الممكن بسبب ذلك أن تبدو الرحلة أقصر كثيراً بالنسبة لمسافري الفضاء عمَّا تكونه بالنسبة لمن يبقون فوق الأرض. إلا أنه لن يكون هناك ما يسعدنا كثيراً عند العودة من رحلة فضاء مع زيادة في السن بأعوام قليلة لنجد أن كل فرد ممن تركناهم وراءنا قد مات وراح منذ آلاف من السنوات. هكذا فإن كتَّاب روايات الخيال العلمي حتى يثيروا كل الاهتمام البشري بقصصهم، أصبح عليهم أن يفترضوا أننا سوف نكتشف ذات يوم طريقة للسفر بأسرع من سرعة الضوء. يبدو أن معظم هؤلاء المؤلِّفين لم يدركوا أننا إذا استطعنا السفر بأسرع من الضوء فإن نظرية النسبية تتضمَّن عندها أننا نستطيع أيضاً أن نسافر عائدين كما تذكر القصيدة الخماسية الفكاهية (الأمريكية):

كانت هناك شابة من "وايت"

سافرت بسرعة أسرع كثيراً من الضوء

لقد رحلت ذات يوم

بطريقة نسبية

ووصلت في الليلة السابقة لرحيلها ). الصفحة ( 256 - 257 ).

13- ( سأل آينشتاين ذات مرة سؤالاً: " ما مدى ما عند الخالق من خيار في بناء الكون؟". إذا كان افتراض اللاحدية صحيحاً، لن يكون للخالق أي حرية مطلقاً في اختيار الظروف الابتدائية. سيظل لديه بالطبع حرية اختيار القوانين التي يخضع لها الكون. على أن هذا قد لا يكون فيه في الحقيقة الكثير من الاختيار… ). الصفحة ( 297 ).

14- ( وعلى كلٍّ، لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع، وليس فقط مجرَّد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا، فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين، سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري، لأننا وقتها سنعرف فكر الخالق ). الصفحة ( 299 ).

كتاب (تاريخ موجز للزمان)، المؤلف: ستيفن هوكينج، المترجم: د. مصطفى إبراهيم فهمي، الطبعة الثانية: 2018، الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر، لبنان-بيروت، مصر-القاهرة، تونس.