الفقراء ليسوا طيبين!

 دعنا نتذكر سويا أنا وأنت أحداث الفيلم الكوري الرائع الحاصل على جائرة الأوسكار Parasite طفيلي"، من اخراج بونج هو Bong Joon Ho وبطولة العبقري سونغ كانغ هو Kang-Ho Song، والذي تدور أحداثه حول علاقة جشع كارثية بين عائلة بارك الغنية وعائلة كيم الفقيرة، بحيث أن العائلة الفقيرة ترسم خطة محكمة لكل فرد من أفرادها لتمكن كل واحد منهم من تأمين وظيفة عند الأسرة الغنية، لكن تتسارع الأحداث بطريقة غير محسوبة وتتورط العائلتين في جريمة قتل وأحداث أخرى مريبة.

الشائق في الأمر أن الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك سيعلق بعد مدة من صدور الفيلم بطريقة جد ملفتة، ستغير نظرتنا عن الفقر والفقراء، ففي تقيمه يعود نجاح الفيلم إلى عبقرية المخرج في إزالة الغموض عن الفقراء الذين يعيشون في القبو، وكشف حقيقة علاقة الطيبة بالمستوى الاجتماعي، فالطيبون وأصحاب القلوب الرحيمة ليسوا هم الفقراء، بل الأغنياء في الحقيقة، لأنه إذا كنت غني بما يكفي، فبإمكانك أن تكون لطيفا وطيبا باختيارك وبإرادتك الحرةـ أما عندما تكون فقيرا فلن يكون أمامك هذه الرفاهية في الإختيار أن تكون لطيفا أم لا، سيتعين عليك أن تكون لطيفا بذُل حتى لو لم تكن تريد ذلك.

 الفقراء في غالبيتهم قساة وبخلاء وليسوا بالأخلاقيات التي يبدون عليها، إنما هم يبدون ذلك ليتمكنوا من القاء على قيد الحياة، لأنهم يعلمون أنهم سيخسرون أكثر إذا وضعوا أمام مواجهة حقيقة للإرادة الحرة، لذلك يقول جيجك أن أسوء أنواع المساندة هي تجسيدهم بصورة الطيبين، والحل ليس في تصويرهم بهذا الشكل المثالي والأخلاقيات الفنتازية، وتعزيز المهانة والذل في نفوسهم، لأن ذلك سيشجعهم على الفقر أكثر ويساعدهم على تقبل عبوديتهم فترة أطول، لذلك الحل هو أن نغير الظروف التي جعلتهم هكذا، لا أن ندفعهم لتقبلها.

في الحقيقة لقد سبق وأن طرح نيتشه نفس الفكرة في كتبه، في باب علاقة العبد بالسيد، إذ يرى بأن العبيد شر مطلق يتخفى في أخلاق واهية، وقد قسم الأخلاق إلى قسمين أخلاق الضعف وهي أخلاق العبيد وغير الأحرار، وأخلاق القوة وهي أخلاق السادة والأحرار، أما الأولى فهي لا ترتقي لأن تكون نموذجا يحدى به، لأنها مجرد تُقى لا أكثر، فلو اتيحت فرصة للعبيد ليتحكموا لأفسدوا في الأرض وأكلوا الأخضر واليابس، أما أخلاق السادة فهي أخلاق حقيقية لأنهم يقومون بها بإختيارهم.

أتذكر في هذا المقام مقولة شعبية جزائرية قديمة تقول" متخافش من الشبعان إذا جاع، خاف من الجيعان إذا شبع" ومعناها لا تخاف من الغني إذا افتقر لأن أخلاقه الجيدة لن تتغير بفقره، لكن اخشى الفقير الذي اغتنى لأنه سيبقى بأخلاق الجوع حتى وهو في حالة غنى.

 ما رأيك في تحليل جيجك للفيلم؟ هل تعتقد أن هناك علاقة بين الشر والفقر بالفعل؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لفت نظري اطلاعك على المجال الفلسفي،@Yasser_eb73 ، ربما لديك وجهة نظر حول ما قاله الفيلسوف سلافوي جيجيك حول مسألة الفقر؟

Yasser_eb73 أضف ردا

شاهدت فيلم parasite و هو فيلم رائع بالفعل .

ارى ان هناك خلط في فهم هذه الألفاظ (الفقر - الفقير - العبودية ) .. الفقر شر بالتأكيد - مع الاخذ في الاعتبار انه لا وجود للشر المطلق و لا الخير المطلق- و لكن الفقير ليس تجسيداً لهذا الشر .. هب ان فقيرا كافح حتى اصبح من الاثرياء فهل يجوز لنا القول هنا انه كان شريرا قاسيا ثم اصبح لطيفا خيرا .. ثم هب ان له اولادا شبوا اغنياء فهل يجوز لنا القول انهم لطفاء بحكم انهم ولدوا اغنياء و ان ابيهم شرير بحكم انه ولد فقيرا .. و انا هنا لست انكر ان للبيئة اثر في اخلاق الناس .. و لكن البيئة هنا ليست فقرا و غني فقط .. الدين و العلم و الاعراف و التقاليد كلها عوامل تشكل البيئة التي ينشأ فيها الناس .

اما العبودية فلها شأن اخر .. نعم هناك رابط بين الفقر و العبودية و لكنهما ليستا مترادفتين .. يمكن لنا القول ان العبد فقير .. و لكن العكس ليس صحيح .. و دعني هنا اطرح سؤالين للتوضيح .. لو ان فقيرا خير بين الفقر و الغني فأيهما يختار ؟ .. لا شك يختار الغني .. و في المقابل لو ان عبدا خير بين الحرية و العبودية فأيهما يختار؟ .. و ارجو الا تتعجل في الجواب .. فعندما اصدر لينكولن قانون تحرير العبيد في امريكا رفضه اكثر العبيد .. و يمكن لنا هنا ان نتذكر المرض النفسي المسمى بمتلازمة ستوكهولم .. و قد تم تجسيد تلك الفكرة في السينما الأمريكية في فيلم Shawshank redemption .. و لذلك قيل ان الحريه لا توهب و انما تنتزع انتزاعا .. و لذلك ايضا لم يحرم الاسلام العبودية .. و انما شرع نظام المكاتبة .. و هو نظام يسمح للعبد بان يدفع ثمن حريته .. و جعل الاسلام ذلك من مصارف الزكاة.

في النهاية اري انه يمكن تعديل عنوان المقال ليصبح ( الفقراء ليسوا طيبين و الاغنياء ايضا)

دمتم بخير .. تحياتي

فعندما اصدر لينكولن قانون تحرير العبيد في امريكا رفضه اكثر العبيد ..

لماذا رفضه العبيد، ما قرأته بأن إبان حكم لينكولن العبيد كانون سعيدين جدًا على اثر قرار تحريرهم؟

يقول افلاطون ( لو امطرت السماء حرية لرفع العبيد المظلات) .. الانسان كما الحيوان عندما يولد عبدا و يتربي عبدا فإنه لا يمكن له تحمل مسئوليات حريته .. و لذلك تقول بعض المصادر ان نسبة كبيرة من العبيد في امريكا لم يتركوا المزارع التي يعملون بها .. و نسبة اخرى عادوا الى سادتهم يستجدون العبودية .. و لم يستطيع احد من العبيد ان يتحمل حياة الحرية الا اولئك الذين قاتلوا مع جيش الشمال انتقاما من سادتهم في الجنوب

لكن الفقير ليس تجسيداً لهذا الشر 

هذه واحدة من المغالطات القميئة التي نواجهها كل يوم وفي كل نقاش، وهي الخلط بين الفكرة والشخص، نحن لا نتحدث عن الفقيراء كأشخاص بل عن الفقراء كحالة، أي أننا ننقد أخلاق الفقراء وفقكرة الفقر بحد ذاتها وليس الفقيرأحمد أو علي أو مريم ...ألخ ، لا طبعا علينا أن نفضل بين النومان والفينومان بتعبير كانط، نحن ملزمون بفهم الفينومان إي فهم الظاهرة ولا تهمنا النومان في هذه الحالة.

نعم هناك رابط بين الفقر و العبودية و لكنهما ليستا مترادفتين .

ومن قال أن هناك ترادفا بين الكلمتين، لا توجد كلمة ترادف في النص على الإطلاق، بل أقول أن هناك مساوقة فالظاهرتين متساوقتي أي أنهما يحدثان مع بعضهما في أغلب الوقت.

 يمكن لنا القول ان العبد فقير .

العبودية التي نتحدث عنها هنا ليست العبودية التي تفهمهما حضرتك، العبودية هنا بمفهومها النيتشوي ، العبودية الأخلاقية وليست العبودية المادية، أي أخلاق الضعف، والتذلل والمهانة والخضوع هي ما يسميها نيتشه بالعبودية وليست بالضرورة عبودية الخُدام ...

دعيني اولا اتجاوز عن ذلك الاسلوب المتعالي و الحاد حتى استطيع الرد عليك

هذه واحدة من المغالطات القميئة التي نواجهها كل يوم وفي كل نقاش

الحقيقة ان من وقع في المغالطة هو انت .. تنسبين الي شيئا لم اقوله ثم تحاولين دحضه و هو ما يسمى بمغالطة رجل القش .. انا لم اقل الفقير علي او محمد .. و انما ذكرت الفقير بشكل عام و هو ما تسمينه انت بالخطأ الحالة .. الحالة هو الفقر و ليس الفقير يا عزيزتي

الظاهرة (الفينومنان و ليست الفينومان كما ذكرت و كما يروق لك استخدام مصطلحات انجليزية في نقاش باللغة العربية) هي الفقر و ليس الفقير .

فالظاهرتين متساوقتي أي أنهما يحدثان مع بعضهما في أغلب الوقت

ما زلت ارى ان الفقر لا يجلب العبودية في اغلب الوقت .. و العكس صحيح .. فالعبودية تتضمن الفقر في كل الوقت .. و الحقيقة اني مندهش من تلك النظرة العنصرية التي ينكرها الواقع .. فالواقع و التاريخ يؤكد لنا في كل يوم مدى قسوة الاغنياء و مدى افسادهم في الارض .. و كيف انهم تتعاظم ثرواتهم من تغذيهم على دماء البسطاء .. فلسفة نيتشة يا عزيزتي كما فلسفة ماركس فلسفة عنصرية يغذيها البغض و الكراهية .. حتى وصلنا في النهاية الى عصر تتعالى فيه الهتافات ( ايها الاغنياء اقتلوا الستة مليارات من الفقراء فلن تكفيكم و تكفيهم موارد الارض)

أخلاق الضعف، والتذلل والمهانة والخضوع هي ما يسميها نيتشه بالعبودية

دعيني استعيد كلماتك

- في الحقيقة لقد سبق وأن طرح نيتشه نفس الفكرة في كتبه، في باب علاقة العبد بالسيد

- فلو اتيحت فرصة للعبيد ليتحكموا لأفسدوا في الأرض

اتفق تماما مع نيتشة فيما قاله و لكني اختلف معك حينما يروق لك ان تفسري كلماته قسرا ليلائم طرحك فلست اعتقد ان نيتشه هنا يريد المعنى المجازي للكلمة .. فهو حين يذكر المقابلة بين العبد و السيد فهو بالتأكيد يريد المعنى الحقيقي للكلمتين و حين ذكر تمكن العبيد فهو ايضا اراد المعنى الحقيقي

الحقيقة ان من وقع في المغالطة هو انت .. تنسبين الي شيئا لم اقوله ثم تحاولين دحضه و هو ما يسمى بمغالطة رجل القش .. انا لم اقل الفقير علي او محمد .

لا توجد اي مغالطة ضدك صديقي ياسر، اذ لم انسب لك قولا كالذي قلت، انما علي ومحمد مجرد مثالين توضيحيين استعملتهما لتوضيح كلامي، وهو امر مسموح به في الاستدلال ولا مشكلة في ذلك، ولم يتم تَقَوُّل الأمر نيابة عنك أبدا.

الظاهرة (الفينومنان و ليست الفينومان كما ذكرت و كما يروق لك استخدام مصطلحات انجليزية في نقاش باللغة العربية) 

للأسف لا يوجد مصطلح الفينومنان، ويبدو انك انت من تستعمل الكلمات كما يروق لك، ولا ادعي في الامر شيء، انما عليك بقراءة الإخالة التالية لتعرف اي المصطلحين الأصح وباللغة الإنجليزية .https://www.google.com/url?...

و لكني اختلف معك حينما يروق لك ان تفسري كلماته قسرا ليلائم طرحك فلست اعتقد ان نيتشه هنا يريد المعنى المجازي للكلمة .. فهو حين يذكر المقابلة بين العبد و السيد فهو بالتأكيد يريد المعنى الحقيقي للكلمتين و حين ذكر تمكن العبيد فهو ايضا اراد المعنى الحقيقي

مع اني لا ارى في الأمر حاجة لتأويل المسألة على هذا الشكل، ولا أرى انك اقل مني تعاليا بل وهجومية، لكن على العموم، للتأكيد فقط جدلية العبد والسيد عند نيتشه هي جدلية ذات بعد أخلاقي لا مادي، فقد كرس نيتشه كل فلسفة لاعادة التنقيب في جنيالوجيا الأخلاق من أجل الوصول إلى المعنى الحقيقي للفضيلة ردا على الفلاسفة اليونان الذين جعلوا الفضيلة في الطاعة والقبول والتضحية جاء نيتشه ليثبت من خلال جدلية العبد والسيد الحقيقة المقلوبة للأخلاق اليونانية والمسيحية.

لتعلم ان فكرة العبد والسيد فكرة تأويلية، والدليل على ان نيتشه لم يستعمل العبد والسيد بمعناه العيني، نعود إلى مثال المسيح نفسه كشخصية رئيسية في نقد الاخلاق التقليدية، المسيح يمثل شخصية العبد لانه يمتلك اخلاق الضعف، فهو بالنسبة للنيشته تشويه للمعنى الاصلي للأخلاق لانه يكرس الضعف والمهانة والتسامح اللامشروط، مع ان المسيح سيد حر في الواقع، ... لكنه يقول ان نابوليون بونابارت هو تجسيد لشخصية السيد بامتياز، لانه يمتلك شروط القوة واخلاقها، فهو رجل صلب مهاب شجاع، محارب ويعرف كيف يأخذ ما يريد...

ارجو ان تكون الفكرة قد اتضحت.

الفقراء ليسوا طيبين وكذلك الأغنياء، فالظروف الاجتماعية تصنع البشر. وليس للفقير إلا أن يظهر بمظهر الطيب، وإلا تعرض للإقصاء أكثر والمعاملة القاسية الأفدح. وقد يندرج هذا المظهر تحت مقولة يتمسكن حتى يتمكن. وأيضا الغني يبين ذلك الجانب الخير منه _ الكرم الإقطاعي _ لأنه لم يوضع على المحك. فالشدائد تبرز معادن الناس، إذا لم تبلغ حدودا قصوى يتخرب معها الميزان الفطري الداخلي للانسان فتجعل الفقير ناقما على المجتمع ككل يتحين الفرصة الانقضاض عليه وإعاثة الدمار فيه. وتخلق من الغني أنانيا لا يراعي سوى مصلحته الخاصة على حساب العير، يرى في الفقراء عبيدا ماخلقوا إلا ليخدموه.

أذن الأخلاق نسبية وتتحكم بها ظروف وعوامل كثيرة ومتشابكة عدا الحالة الاجتماعية (الفقر_الغنى)

وأيضا الغني يبين ذلك الجانب الخير منه _ الكرم الإقطاعي _ لأنه لم يوضع على المحك. فالشدائد تبرز معادن الناس، إذا لم تبلغ حدودا قصوى يتخرب معها الميزان الفطري الداخلي للانسان فتجعل الفقير ناقما على المجتمع ككل يتحين الفرصة الانقضاض عليه وإعاثة الدمار فيه

دعيني اختلف معك يا أمينة، الغني اما ان يكون فاضلا او لا يكون ككل البشر، لكنه اذا اختار ان يكون فاضلا فأغلب الحالات يكون فاضلا حقا لا تُقيا منه، حتى فيما يسم الكرم الإقطاعي او المخاتلة البرجوازية، لا تعتبر تمثيلا للطيبة، بل يمكن اعتبارها استراتيجة اجتماعية، لانه مازال رغم ذلك قادر على تمثيل عكسها، اي انه يمكن ان يمثل دور الانسان الفاضل على غير حقيقيته، لكنه ليس مرغما على ذلك، ويستطيع ان يتحول لوضعه الطبيعي في اي وقت يريد، اما الفقير فلا يستطيع ذلك على اي حال. هذا من جهة.

من جهة اخرى الغني لا يخشى منه تقلبه بين الطيبة وعكسها، حتى وان وضع تحت الشدائد كما تقولين، لأن الفضيلة جزء من تكوينه التفسي والعقلي، فتلك ذاته الحقيقة، فلو وضعنا غنيا في شاحنة واخذناه الى افقر قرية لن يتجرأ على سرقة اتعاب شخص ما لانه انفته وعزته تمنعه، او يستعبد او يتعدى على شخص اخر ..تلك فضيلته الذاتية، لكن الفقير اذا وضع امام غني شوف يتذلل له، واذا ولكنه اذا وضع امام من هو اقل منه، سيضطهده وينهره، الفقير اذا يتذلل امام مديره، لكنه عندما يرجع للبيت أهله لا يخاطبهم الا بالعنف والخشونة، وهذا لا يعكس فضيلته، ولو وضع الفقير في مجلس قوم اغنياء لادعى الطيبة والقلة والتنزه والعفة، لكن لو وضع نفس الفقير في بيت نفس الجماعة في غيابهم او رأي فيهم ضعف عقل او امكانية للحيلة والمكر، فسوف يسرق وينهمب وهتك الاعراض.

وليس للفقير إلا أن يظهر بمظهر الطيب، وإلا تعرض للإقصاء أكثر والمعاملة القاسية الأفدح

هذه أراها دبلوماسية في التعامل خاصةً مع الأشخاص الذي تكون بحاجة للتعامل معهم، لكن ليس كل الفقراء بهذه الدبلوماسية بل منهم الذين على النقيض، قد أتفق مع خلود في نقطة واحدة وهي أن الفقير قد يكون مضطرا لأن يكون طيبا في بعض الأحيان خلاف ما يريد ويطبق مثل (إن كان لك عند ....قوله ياسيدي) في حين الغني لن يفعل لأنه لن يكون بحاجة هذه الحاجة

وهذا مثلما أشرتي عامل وظرف اجتماعي ولا أجده انعكاس لمعدن الشخص الحقيقي، فأغلبنا قد نكون لطفاء وطيبين مع من تربطنا معهم مصلحة.

أعرف أن الفقير يظهر الطيبة مضطرا، وهذا ما عبرت عنه (وإلا تعرض للإقصاء أكثر). ولم أقول أن الطيبة معدن الفقراء، بل إن الشدائد تظهر معادن الناس. وإلا سأكون قد ذهبت إلى ما ذهبت إليه خلود بأن الطيبة من طبيعة الأغنياء.

نعم الأغنياء ليسوا مضطرين اضطرارا قويا لإظهار الطيبة، ولكنهم محتاجون لجلب الاحترام أكثر ومحبة الناس والسمعة الطيبة، ولو تغيرت الظروف وأخنى عليهم الظهر، لا أحد يضمن كيف يتصرفون لأنهم أناس من لحم ودم، بالرغم من أن ردود الأفعال تختلف من شخص لآخر أمام المواقف الصعبة، بغض النظر عن كونه فقيرا أو غنيا.

لا الطيبة من طبع أحد ولا الخبث ولكن الظروف صانعة البشر.

نعم الأغنياء ليسوا مضطرين اضطرارا قويا لإظهار الطيبة، ولكنهم محتاجون لجلب الاحترام أكثر ومحبة الناس والسمعة الطيبة،

وهو كذلك، في هذه الحالة تصبح استراتيجية أو دبلوماسية كما ذُكر في التعليق السابق.

هذه أراها دبلوماسية في التعامل خاصةً مع الأشخاص الذي تكون بحاجة للتعامل معهم، لكن ليس كل الفقراء بهذه الدبلوماسية بل منهم الذين على النقيض

ال أتفق معك أطلاقا، لا يمكن أن تكون دبلوماسية على الاطلاق، لأن صفة الذل صفة نفسية متجذرة في النفس وتصبح عقدة دائمة وعقلية ثابتة لا يمكن الفكاك منها أبدا، أما الدبلوماسية فهي استراتيجية إرادية واعية تعبر عن حرية مطلقة في التلاعب بالمشاعر والافكار وهذا ما لا يملكه الفقير حقا.

لا أتفق معك على الإطلاق يا خلود، فليست الفضيلة من طبيعة الغني، ولا هي جزء من تكوينه النفسي والعقلي، ولا هي أيضا من طبيعة الفقير. وإلا سنستخلص أن كل الفقراء خبثاء وكل الأغنياء طيبون. لا هذا تعميم غير صحيح، والواقع يكذبه، لأننا نرى في مجتمعاتنا أغنياء أبا عن جد، ويرتكبون ما يخطر وما لايخطر على بال، من مناكر وفواحش تحير كل ذي عقل سليم، ويلهثون وراء استزادة الثروة بطرق غير مشروعة. ويسعون لاتحاد السلطة بالمال، لتتوفر لهم الحماية والحصانة ضدا على القانون.

وفي المقابل نرى فقراء تربوا وعاشوا على حد الكفاف، وأصبحوا عنوانا للنزاهة والفضيلة والشرف في مجتمعاتهم.

اذن الانسان هو خليط من الخير والشر، والظروف المعيشية المقبولة نسبيا والتربية الحسنة والتقويم والتوجه السليمان، كلها عوامل تساعد على تخليق حياة الناس وتهذيب سلوكهم. والغنى الحقيقي هو غنى النفس وقناعتها اللذان يعصمانها من الانزلاقات الأخلاقية.

الحقيقة ، أننى لا أتفق ، مع التحليل ، ولا أتفق مع نظريات التعميم بشكل عام ، ففكرة أن الفقر أو الغنى عامل لمقياس الخير والشر ، فكرة تحتوى على قدر كبيرر من العنصرية ، الخير والشر بذرات بداخلنا جميعا ، بعضنا يروى بذره خيره ، واخر يسمح للشر أن ينمو بداخله . فهناك من يمنحه الحرمان قلباً عطوفاً ، وهناك من يحوله الحرمان لذئب مفترس .

ولا أتفق مع نظريات التعميم بشكل عام ، ففكرة أن الفقر أو الغنى عامل لمقياس الخير والشر ، فكرة تحتوى على قدر كبيرر من العنصرية ، 

لا ارى اي تعميم في الموضوع، لسببين اساسيين، ان التعميم مغالطة فلسفة وعلمية، ولا يمكن لفيلسوف رائد مثل سلافوي جيجك ان يسقط فيها على اي حال، وهو بالفعل لم يفعل لأنه يتحدث عن فقراء الفيلم اولا بشكل حصري، هذا من جهة ومن جهة ثانية هو هو يتحدث عن الفئة الغالبة والكادحة والمتشرة من الفقراء، وهم الفقراء معدومي الاختيار، ولا يتحدث عن الفئات الشاذة من الفقراء، وقد حددت قبل قليل نوعين على الاقل من الفقراء وهم الفقراء بالاصل والمولد والممات وهم من ينطبق عليهم هذا الوصف والتحليل حرفيا، ومن تحولوا الى الفقر، بفعل الضروف وفئة كبيرة منهم لا تنطبق عليهم هذه التحليلات لأنهم لا يملكون عقلية الضعف بل هم فقراء مادة فقط.

الخلاصة يجب التفريق بين فقر المادة وفقر العقلية كما يقول روبرت كيوساكي، ففقر المادة لا يعني فقر دائم وخضوع كلي، وهناك امكانية لتجاوزه وتغييره، اما فقر العقلية فهو الفقر الحقيقي الذي يجلب العبودية والذل للابد.

أجد دائمًا مغالطة منطقية شديدة الوضوح في هذا السياق، حيث أن فكرة الشرطية يا خلود لم يكن لها أساس من البداية كي تقترن بسابقتها. إننا لم نشترط بدليل قاطع في البداية أن الفقر مقترن بالطيبة بالضرورة، أو أن الشر مقترن بالغنى، وإنما هو موروث فكري مشبّع بمختلف الاحتجاجات التي ظهرت على الضفّة الأخرى من اليسار السياسي والفلسفي. لذلك لا يمكننا أن نثبت بهذه الطريقة أن العكس هو الأصح. إن التعامل مع الدليل بالمصادفة أو بالاحتمالات ليس قاطعًا لذلك أعترض على كلا الأمرين، وأترك الأمر دائمًا إلى فرديّة الإنسان وطبيعته الشخصية.

فكرة الشرطية يا خلود لم يكن لها أساس من البداية كي تقترن بسابقتها. إننا لم نشترط بدليل قاطع في البداية أن الفقر مقترن بالطيبة بالضرورة، أو أن الشر مقترن بالغنى

لا ادرى مالذي اوحى لك بهذا التلازم الشرطي ياعلي وكيف تم تأويل الفكرة بهذه الطريقة المنحرفة عن السياق ، لكن اسمح لي ان اوضح بأنه لا يوجد اي تلازم بين الطيبة والفقر او بين الشر والغنى، الامر يتعلق بتفسير غير طردي لظاهرة لا يمكن الحكم عليها بالاطراد اصلا، تعلم جيدا ان القاعدة في العلوم الاجتماعية وفي علم الاجتماع والاخلاق بالتحديد هي لا قاعدة، كل شيء نسيبي الى ابعد حد، ومهما تكررت الحوادث بأسباب مساوقة هذا لا يعني ان الظاهرتين متلازمتين.

وقولك ان جيجك يدعي ان هناك تلازم شرطي بين الطيبة والفقر ، كما لو قلت ان دوركهايم يقول بان هناك تلازم شرطي بين الانتحار والاماكن المرتفعة، وهذا غير صحيح، لان الفيلسوف ليس بهذه السطحية طبعا، فالطيبة هنا نسبت للفقراء لانها وسيلة نجاة بالنسبة اليهم، كما ان الاماكن العالية هي وسيلة للانتحار ، وهذا لا يجعلهما متلازمان.