الوعي النفسي بين الفهم وتبرير الأذى

من أجمل ما منحه لنا العلم في عصرنا الحالي أنه ساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أعمق. أصبح لدينا أخيرًا كلمات تشرح مشاعر عشناها طويلًا دون أن نفهمها، ومفاهيم تساعدنا على استيعاب ما مررنا به من ألم ومعاناة.

صرنا نسمع عن التروما، والقلق المزمن، والخوف من الالتزام، والتفكير الزائد، واكتئاب ما بعد الصدمة. ولم تظهر هذه المصطلحات من فراغ، بل جاءت لتمنح صوتًا لأشخاص عانوا في صمت، ولتؤكد لهم أن ما يشعرون به حقيقي ويستحق الفهم والاهتمام.

لكن مع الوقت، بدأ يحدث شيء مؤسف.

فبدل أن تكون هذه المفاهيم وسيلة لفهم الذات والسعي للتعافي، أصبحت أحيانًا وسيلة لتبرير الأذى. وأصبحنا نرى أشخاصًا يشرحون جروحهم بإتقان، لكنهم لا ينتبهون إلى الجروح التي يتركونها في الآخرين.

والمؤلم حقًا أن بعض أشكال الأذى الأكثر قسوة تأتي من أشخاص يعرفون الألم جيدًا.

أشخاص جلسوا يومًا ما يبكون بسبب التجاهل، ثم تجاهلوا غيرهم.

أشخاص عانوا من الغموض وعدم الوضوح في العلاقات، ثم مارسوا الغموض نفسه مع أشخاص أحبوهم بصدق.

أشخاص اشتكوا من القسوة، ثم أصبحوا أكثر قسوة مما تعرضوا له.

وأشخاص عرفوا جيدًا معنى أن ينتظر الإنسان كلمة تطمئنه أو موقفًا صادقًا، ثم تركوا غيرهم عالقين في الانتظار نفسه.

هنا تكمن المفارقة المؤلمة.

فالمفترض أن الألم يجعلنا أكثر رحمة، وأن تجعلنا معاناتنا أكثر حساسية تجاه مشاعر الآخرين. لكن أحيانًا، عندما لا نتعامل مع جروحنا بشكل صحي، تتحول هذه الجروح إلى شيء نمرره للآخرين دون أن نشعر.

ليس لأننا أشخاص سيئون بالضرورة، بل لأن فهم الألم لا يعني دائمًا أننا تعافينا منه.

هناك فرق كبير بين أن أفهم سبب سلوكي، وبين أن أبرر به كل ما أفعله. وهناك فرق بين أن أقول "أنا مجروح" وبين أن أعتبر جرحي تصريحًا مفتوحًا لجرح الآخرين.

الوعي النفسي الحقيقي لا يبدأ عندما نعرف أسماء مشكلاتنا، بل عندما نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: هل أصبحتُ الشخص الذي كنت أتمنى أن أجده عندما كنت أتألم؟

فمعرفة سبب الخطأ لا تعفي من مسؤولية إصلاحه.

ومعرفة مصدر الجرح لا تعطي الحق في صناعة جروح جديدة.

في النهاية، لسنا مسؤولين دائمًا عن كل ما حدث لنا في الماضي، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نختار أن نتعامل بها معه.

فالوعي الحقيقي ليس أن نفهم لماذا تألمنا فقط، بل أن نحرص على ألا يصبح ألمنا سببًا في ألم شخص آخر.

لأن أعظم انتصار على الجروح القديمة ليس أن نشرحها للناس... بل أن نكسر الدائرة، ونمنعها من أن تستمر من خلالنا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فالمفترض أن الألم يجعلنا أكثر رحمة، وأن تجعلنا معاناتنا أكثر حساسية تجاه مشاعر الآخرين. لكن أحيانًا، عندما لا نتعامل مع جروحنا بشكل صحي، تتحول هذه الجروح إلى شيء نمرره للآخرين دون أن نشعر.

هذا الأصل الذي يجب أن نكون عليه، خصوصاً عندما ندرك أن لحياتنا آخره، أما عندما نعلي من أنفسنا حد الكبر والغرور فإننا سنندفع نحو الغطرسة والظلم.

الإنسان عندما يتألم يشعر بالخوف فيدفعه الخوف للقسوة ليحمي نفسه فلا يفكر في أحد وقتها غير نفسه فليس واقعي أن نتوقع من الجميع معالجة جروحهم بشكل صحي وإذا انتظرنا أن يعالج كل شخص جروحه لن يتغير شيء علينا أن نحمي أنفسنا أيضًا أقل شيء بالبعد عن هؤلاء أو وضع حدود لتعامل معهم حتى لا ينقلوا آلامهم لنا

صحيح جدًا، وحتى الوعي بالمشكلة وإخبار الآخر بها لا يعني أنه مفروض عليه قبول أي شيء تحت مسمى الحب، فلو شخص نرجسي مثلًا عليه مجهود كبير في السيطرة على أفكاره والطريقة التي يتعامل بها مع الآخرين دون أن يتوقع منهم أن يقبلوه كما هو بسبب العلاقات القريبة، لأننا بطبيعة الحال نُظهر كل عيوبنا مع أقرب الناس إلينا وأحيانًا دون وضع ضوابط لذلك بحكم العشرة، ولكن في الحقيقة القريب يتأثر بالسلب عن البعيد.

Admim_Moro أضف ردا

ألم يخطر ببالكِ أن هذا أيضاً ما منحه لنا العلم جنباً إلى جنب مع المسميات المرضية ؟

عندما يتم اختزال بعض الأمراض النفسية إلى خلل في النواقل العصبية وليس سلوكاً وتصرفات خاطئة قام بها المريض أو المحيطون به وأن العلاج في حبة دواء نفسي لإصلاح الخلل - بزعمهم - فكيف يُفترَض بالمريض أن يتعلم أن سلوكياته خاطئة تؤذيه أو تؤذي غيره ؟!

بعض الأمراض يتم الترويج لها على أنها بيولوجية بالكامل وأن المريض لا دخل له فيها ، فأصبح الحزن الشديد على موت الوالد أو الوالدة إن طال عن أسبوعين اكتئاباً وأصبح نشاط الأبناء الزائد اضطراب حركة وأصبح القلق الطبيعي اليومي الزائد بعض الشيء اضطراب قلق عام ... واللائحة تطول . فكيف يتعلم الإنسان إصلاح سلوك خاطئ إن كان كل ما عليه فعله هو تناول حبة دواء يومياً تقوم بتبليد مشاعره وانتهى الأمر ؟!

أيضاً بعض الأمور المذكورة في كلامك تنشأ عن نضج عاطفي ووضع حدود حازمة لحماية الذات وليس خللاً نفسياً لأنه ليس كل تجاهل خاطئ وليست كل قسوة اعتداء . أذكر أنني قرأت كلاماً للدكتور محمد شريف سالم الطبيب النفسي أنه لو فرح بنجاحه في علاج مريض وحزن عند فشله في علاج آخر فسيكون كالقارب الذي يتأرجح باستمرار مع الموج وهذا يضره نفسياً . وذكر أيضاً أن صديقه جاءه في يوم راحته الأسبوعية إلى منزله ومعه ابنه المريض فرفض تماماً علاجه في منزله لأنه مضغوط طوال الأسبوع في العمل . ربما يتم تفسير هذا على أنه قسوة وتجاهل ولكنه في الحقيقة حماية لنفسيته من الضغوطات .

أظن أن الأصح هو توجيه الانتقاد إلى الفئة الواعية لسلوكياتها التي تؤذي غيرها عمداً وليس بغير شعور لأن الضحية قد تتحول إلى جلاد للأسف .

ErinyNabil أضف ردا

ولكن هنا مشكلتك هي مع الطب النفسي وبعض الأطباء الذين يتاجرون بالأدوية وجلساتهم أصبحت لا تتجاوز ال 15 دقيقة وكل المطلوب هو تشخيص ودواء فقط وتغيير الدواء كلما تغيرت الأعراض وليس مع الأشخاص، وهي ذكرت تحديدًا الأشخاص الذين ذاقوا ألم الفقد دون أسباب والجفاف العاطفي وهكذا، وما زالوا يفعلون ذلك مع الآخرين، هذا واع بسلوكه طبعًا، أي شخص طبيعي يعرف أن الابتعاد أو إنهاء علاقة مثلًا دون تقديم أسباب هو سلوك خاطئ وغير ناضج، ولا يحتاج لعلاج نفسي مكثف حتى يكتشف ذلك.

هي ذكرت (صرنا نسمع عن التروما، والقلق المزمن، والخوف من الالتزام، والتفكير الزائد، واكتئاب ما بعد الصدمة) وهذا بدا لي أنه تعميم على كثير من الأمراض النفسية التي يتم علاجها بالأدوية النفسية وليس بعض السلوكيات فحسب ، وهذا سبب تعليقي .

أيضاً ما ذكرته في كلامي ليس منصباً على بعض الأطباء فحسب بدليل أن هذا انتقاد آلان فرنسيس رئيس DSM-IV لما حدث من تطويرات في DSM-5 الحالي ، وأصدر كتاباً شهيراً اسمه saving normal وانتقد فيه التضخم التشخيصي مثل ما ذكرته من أمثلة في ردي ، وانتقد أيضاً مدير معهد الصحة العقلية الوطني الأمريكي NIMH نفس الدليل الخامس DSM-5 .

على كل حال أردتُ فقط لفت النظر لنقطة ربما تكون غائبة ، وربما أكون أخطأت في توجيه تعليقي لو لم يكن هذا مقصد كاتبة الموضوع .

لا أنا من ذكرت موضوع الأطباء وليس أنت، لأنني كتبت عن موضوع الأدوية سابقًا وفكرة علاج مرض له أساس وراثي وبيئي وبيولوجي بدواء لا يصلح إلا لتخفيف الأعراض فقط، وحتى هناك إتجاه من بعض الأطباء بفكرة العلاج المتكامل والمدمج لتخصصات طبية مختلفة بحيث لا نذهب للدواء مباشرة كأول خط دفاعي دون معرفة بكل المشكلات المحيطة بالمرض وعلاجها خطوة خطوة، والأدوية نفسها ليست سيئة كلها، ولكن يجب استخدامها بشروط محدودة وحسب احتياج الحالة لها، ولا سيما حالات الأطفال.

Admim_Moro أضف ردا

لم أفهم تعليقكِ جيداً ، ولا أعرف بخصوص موضوعكِ السابق بشكل جيد لأنني عضو جديد هنا وغير ملم بالموقع والمواضيع بشكل جيد وإنما كنت أتكلم عن كلام صاحبة الموضوع نفسه .

وما ذكرته في كلامي عموماً عن الأدوية أو غيرها هو حصيلة اكتسبتها من طول قراءة لكلام الأطباء والأبحاث والدراسات وآراء المرضى في مواقع عربية وانجليزية .

وأما بخصوص الأدوية فهي غالباً مداراة للأعراض فقط كما ذكرتي في كلامكِ بالفعل ، وسواء تم استخدامها بشروط محددة أو بحسب الحالة أو لا فهذا لا ينفي تسببها بالأذى والضرر الجانبي سواء كان خفيفاً أو شديداً ، وهذا يتطلب الموافقة المستنيرة التي يتم إهمالها للأسف في كثير من الحالات .

وجدتُ موضوعك الخاص بالأدوية وقرأته الآن . أعجبني أن الطرح مختلف عن طرح الأطباء العاديين .

بخصوص الترويج للأدوية النفسية فأنتِ محقة أنه تجاري بامتياز ، وحتى في أمريكا يتم الإعلان عنها في التلفاز كما يتم الإعلان عن الشيبسي عندنا .

هناك أيضاً evergreening أو التخضير ، وليس تخضيراً بزراعة الأشجار وإنما بزراعة براءات اختراع جديدة لأدوية قديمة بتعديلات بسيطة دون مجهود أو تكلفة كبيرة عن طريق استغلال ثغرات في قوانين براءة الاختراع ثم يتم بيع الدواء الجديد بأسعار خيالية . الأمر أشبه بقصة لها جزء ثاني وثالث ورابع دون إضافات كبيرة ، مثل :

  • سبرام (سيتالوبرام) - سبراليكس (إيسيتالوبرام) .
  • ريسبردال (ريسبريدون) - انفيجا (باليبيريدون) - انفيجا سستينا (باليبيريدون) - إنفيجا ترينزا (باليبريدون) - إنفيجا هايفيرا (باليبريدون) . براءات اختراع لنصف قرن من 1992 حتى 2041 تقريباً .
  • زيبركسا (أولانزبين) - سيمبياكس (أولانزبين + فلوكستين) - ليبالفي (أولانزبين + ساميدروفان) .

وهناك دفن الدراسات السلبية ، فدائماً ما نقرأ أن الأدوية النفسية ثبت بالدراسات العلمية فاعليتها ولكن الحقيقة أن الدراسات ذات النتائج الإيجابية يتم نشرها أما أغلب الدراسات ذات النتائج السلبية أو التي محل شك عن الدواء لا يتم نشرها أو تُنشَر بطريقة توحي بنتائج إيجابية . أي أن الدواء الذي تدعي شركات الأدوية أن فاعليته ممتازة ربما لا تتجاوز فاعليته الحقيقية مستوى المقبول أو الجيد على أقصى تقدير .

وأعتذر عن الاستطراد في الرد .

شكرًا لقراءتك طبعًا وتعليقك، أنا ذكرت الموضوع لأنك في تعليقك تناولت هذه الفكرة من ناحية عدم توجيه الأطباء أنفسهم للمريض بمشكلاته وكيف يحلها مقابل علاج سريع لم يعدّل سلوكه أو يشرح له كيف يعامل الآخرين، ولذلك -كما تفضلت انت بالذكر- الأدوية النفسية لها ضرورات طبعًا، إنما هي جزء من مرحلة العلاج، ولا يجب أن يستمر فترات طويلة لما له من تداعيات سيئة على المخ، ولكن الأسلوب التجاري في كل شيء يمنع البعض فعلًا من قول الحقائق كاملة.

مشكورة جدا على المنشور الواعي والمهم جدا في الحياة , وصلنا الى مرحلة ربما نمر في ازمة معينه اثرها داخلي ونفسي وعقلي وليس طبي على شكل مرض اذا صح تعبيري ولكن من جهلنا لا نستطيع تقييم الامور او مصارحة نفسنا ونرمي ما نحن به اليوم من ضغوط الحياة

اعطيكي مثال انا بعمر اليوم اكتشفت اني امر في مرحلة ما يسمى توتر مزمن او قلق مزمن او الاحتراق الذهني ولم استوعب هذا لانه لم يمر علي مفاهيم هذه المسميات ولكن خلال اجازة طويلة نوعا ما لم يمارس علي اي ضغوط ولا اي مشاكل واجهتها ولا اي موضوع يحتاج مني تفكير زائد كل شيء كان طبيعي الا انه كنت دائما ما استغل انه لا يوجد شيء لاعود اتذكر واتكلم داخليا في قضايا الماضي واشعر بجسمي مشدود دائما متعب من غير اي جهد .....الخ سبحان الله صدفت من قراءة لقراءة ومن فيديو الي فيديو بدأت تظهر امامي بعض الفيديوهات التي تشرح ونفسر مثل هذه الامور وانا من علاماتها كذا وكذا . حتى بدأت اطبق على نفسي بعغض النقاط حتى ايقنت اني انا في هذه المرحلة وبدأت اسعى الي علاجها ولكن اعتقد اني مصاب بهذه الامور من فترة طويلة ولكن جهلي بتفاصيلها جعلني اعتقد ان ضغوطات الحياة ومصاريفها والديون وعدم الاستقرار هوا السبب وليس مرض معين .