يعتبر علم النفس والطب النفسي من أكثر المجالات إثارة للجدل والصراع بين علمائه ومدارسه التجريبية وحتى في العادات الاجتماعية.
ولعل أبرز مآخذ هذا العلم هو اعتماده أحياناً على تعميمات قد لا تستوفي الفروق الفردية بين الأشخاص، أو تغفل الخصوصية الثقافية والبيئية من منطقة لأخرى.
ومن وجهة نظر، فإن العلاج السلوكي والدعم العاطفي، والمعنوي، والفكري، يمثل الأسلوب الأنجع والأكثر إنسانية في التعامل مع المشاكل النفسية.
في المقابل، يظل العلاج الدوائي – رغم أهميته القصوى لبعض الحالات – محاطاً بالكثير من المحاذير؛ إذ يبدو في كثير من الأحيان كأداة لـ 'بتر' المشاعر بدلاً من علاجها.
وغالباً ما يُستخدم لتهدئة المريض إرضاءً للمحيطين به.
وله مخاطر يشاهدها الإنسان العادي تمس حالة المريض وكرامته كإنسان.
بل إن اللجوء للأدوية للبحث عن حل سريع، والتي تسبب الإدمان والاعتمادية، وتسكت الأحاسيس وتجمد الجسد، ترقى إلى وصفها بـ 'الجريمة الأخلاقية' بحق المريض.
فمن الإجحاف أن يعاني شخص من آلام ناتجة عن ظروف مادية واجتماعية واقعية، وبدلاً من حل مشكلاته الحقيقية أو التعاون معه لتجاوزها، يُعطى عقاقير تقتل مشاعره، وتنهك جسده، وتشوه حواسه.
ماذا يعني لك الطب النفسي؟
التعليقات
الطب النفسي كعلم من اكثر العلوم التي تركت شغفها عندي لاني قرات اختصاصا غيرها، ارى ان الطب النفسي كعلاج سلوكي احسن فالكثير من الاخطاء الطبية فيه بسبب ادوية مهدئة يدفع البعض ثمنها الى اليوم وهو واقع، ولكن لا بمكن ان نستثني الحالات المصتعصية التي تتطلب الدواء، المشاكل النفسية اليوم في معضمها وبدايتها تستحق الاحتواء العائلي والمشاركة والتفهم وان تطلب الامر تدخل الطبيب فهو داعم لفهم السلوك وتوجيهه الى مساره ويبقي الضمير الحد الفاصل في اي عمل. موضوع يثير الاعجاب حقا.
العلاج الدوائي في أوقات كثيرة يكون جزءًا من علاج الشخص وليس كل العلاج، والأطباء النفسيين أنفسهم يقولون لبعض الحالات أن الدواء جزء من العلاج وليس كله، وأن الباقي يتوقف على تغيير تفكير الفرد وأسلوب معيشته أو يوصون بالمتابعة مع أخصائي نفسي لعلاج السلوك، أي أن الدواء هنا عامل مساعد، وتتوقف مدى أهميته على حسب الحالة وشدتها، أما في حالات أخرى يكون الدواء فيها هو العلاج الرئيسي للحالة. أي أن الأدوية يتم وصفها على حسب الحالة.
حالات كتير الدواء ليس مجرد خطوة ضمن خطة لكنه يكون سبب في أن الشخص يقدر أصلًا يفكر ويتكلم ويتفاعل بشكل طبيعي. وأيضًا الحالة النفسية غير ثابتة نفس التشخيص ممكن يختلف من شخص للتاني في الشدة والتأثير العلاج النفسي يتحدد حسب استجابة الشخص نفسه
نعم هذه حقيقة، وهناك أوقات يقوم الطبيب فيها بوصف الدواء قد بدأ خطوات العلاج الفعلي لكي يهدأ الشخص ويبدأ التفكير بعقلانية، أو ليبعد عن فكره أفكار خطيرة كالانتحار نتيجة التفكير السلبي ونقص شديد في بعض المواد الكيميائية بالمخ، وفي تلك الحالة يساعد الدواء كثيرًا، وقد ينقذ حياة الشخص حرفيًا.
العلاج الدوائي قد يكون مفيداً فعلاً في حالات معينة، ولكن مع الأسف هناك أطباء يستسهلون طريق العلاج بوصف خطة علاجية دوائية قد تدمر الشخص فيما بعد، في بداية رحلتي في العلاج م الاكتئاب الحاد وصف لي طبيباً دواءًا من اليوم الأول هذا الدواء حتى تلك اللحظة وبعد تعافيّ من الاكتئاب بعد معاناة لأكثر من 10 سنوا، ما زال تأثير هذا الدواء مستمر وسبب لي مشكلة في أعصاب يدي، أفضل خطة علاجية هي محاولة تطبيق علاج معرفي سلوكي في البداية، وبعدها قد يتم استخدام علاج دوائي على حسب الحالة، لكن أن يعتمد المريض على علاج دوائي او يبدأ به دون حتى تجربة إذا كان بإمكانه حل مشاكله بنفسه أو لا أمر خاطئ تماماً، وهذا من خلال تجربتي مع أكثر من 8 أطباء نفسين ومتخصصين.
الإنسان وخلايا عقله عبارة عن وعاء كيميائي شديد التأثر إذ يمكن أن تغيير كيميائي بسيط يسبب فرق كبير في السلوكيات برغم العادات والأخلاق والأفكار وكل هذه الأمور المعنوية.
من أجل معرفة ذلك يمكن أن ننظر ببساطة لمن يشرب الخمور والمخدرات كلها مواد كيميائية تؤثر على الإنسان وهي تؤثر بشدة في سلوكه فلن نجد شارب لهذه المواد وفي نفس الوقت سلوكه قويم ومتزن هذا يثبت أن تأثير المواد الكيميائية عميق في النفس.
على الناحية الأخرى ربما تكون أدوية الأمراض النفسية ليست بالتقدم الذي نأمله لكن هذا لا ينفي نظرية أن العلاج الكيميائي يمكن أن يؤثر بشدة في السلوك وطبعاً يتفاوت التأثير من شخص للآخر، هناك بعض المحظوظين الذي يتلائم العلاج الموجود حالياً بالأسواق مع جسدهم بشكل رائع ويكون دفعة قوية جداً للأمام، وبعض غير المحظوظين الذين لا يكفي العلاج الدوائي لكي يعطيهم دفعة قوية ويحتاجون إلى جانبه لكثير من العلاج الفكري والسلوكي.
ما هي عملية بضع الفص الجبهي (اللوبوتومي Lobotomy) ؟
عملية كانت تمارس في منتصف القرن الماضي للسيطرة على هياج بعض المرضى عن طريق إدخال آداة معدنية طويلة من فوق عين المريض النفسي عبر التجويف خلف الجفن لقطع الاتصالات العصبية بين الفص الجبهي وبقية الدماغ تحت تخدير بسيط أو صدمة كهربائية لتجعل المريض ساكناً طوال فترة العملية ، وكان يحدث لمن يتعرض لهذه العملية فقدان للشخصية والمشاعر وضعف للتفكير وقد يصل الأمر إلى أن يحيا المريض حياة نباتية (Vegetative State) لبقية حياته فيفقد إدراكه تماماً ولا يستطيع الفهم ولا التواصل ويتم إطعامه ويظل هكذا غالباً إلى أن يموت لأنها عملية لا يمكن عكسها .
ما سبب ذكر هذه العملية وهل لها علاقة بموضوع الكاتب أصلاً ؟
في حالة الأمراض الذهانية كمرضى الفصام (Schizophrenia) واضطراب الفصام العاطفي (Schizoaffective disorder) ومن يعاني من أعراض ذهانية مصاحبة لمرضه كثنائي القطب النوع الأول (Bipolar disorder) والاكتئاب الذهاني (Psychotic Depression) وغيرها يعاني المريض من أعراض موجبة (هلاوس وضلالات) وأعراض سالبة ( التسطح الانفعالي - فقدان الإرادة والدافعية-الانسحاب الاجتماعي- انعدام التلذذ) ويستخدم هؤلاء المرضى مضادات الذهان للعلاج والتي بعد أخذها تختفي الهلاوس والضلالات ويظهر الشخص طبيعياً أكثر في التفكير ، وعلى الرغم من ذلك فكثيراً ما نقرأ أو نسمع أن هؤلاء المرضى يتركون أدويتهم فلماذا ؟
هناك أسباب كثيرة لذلك ولكن إحدى الأسباب المهمة هو طبيعة مضادات الذهان نفسها لأنها تقوم بكبح الدوبامين والذي تكون زيادته في بعض المناطق في الدماغ أشهر النظريات المفسرة لحدوث الأعراض الذهانية الموجبة (الهلاوس والضلالات) بينما نقصه في بعض المناطق سبب لحدوث الأعراض السالبة .
لحظة ، نقص الدوبامين في بعض المناطق سبب لحدوث الأعراض السالبة ، إذاً فكيف تعالج مضادات الذهان التي تكبح الدوبامين الأعراض السالبة ؟
أغلب مضادات الذهان فائدتها قليلة أو شبه معدومة للأعراض السالبة ، بل وأحياناً قد تفاقم الأعراض السالبة وتسبب تبلد المشاعر والأنهيدونيا (انعدام التلذذ) ومع ذلك تنجح في اختبارات الترخيص الدوائية لأن نظام ترخيص مضادات الذهان لا يركز على جودة حياة المريض ومشاعره بعد الدواء وإنما يركز على اختفاء الأعراض الموجبة بشكل شبه كلي .
ولكي تفهم ما يعانيه مريض الذهان بسبب مضادات الذهان نفسها تخيل نفسك عندما تصاب بنزلة برد فتفقد القدرة على شم الروائح والإحساس بطعم الأكل . هذا هو ما يعانيه من يتناول مضادات الذهان ولكن ليس في الأكل والشرب وإنما في كافة متع الحياة ، هو يفقد قدرته على الإحساس بلذة الإنجاز والنشاطات والهوايات وحتى النظر لمشهد جميل . كل هذا يصبح عنده باهت رمادي بسبب الدواء ، ولذلك فهناك من يترك أدويته بسبب ذلك ، ولكن يوجد الآن حقن يأخذها المريض كي تريحه من تناول الأقراص بشكل يومي وتجبره على الدواء فلا يستطيع الهرب ، كانت أولاً شهرية ثم ظهر النوع الذي يؤخذ كل ثلاثة أشهر (انفيجا ترينزا) ومؤخراً ظهر نوع يؤخذ كل ستة أشهر (انفيجا هايفيرا) . أي أننا نسعى بخطى سريعة إلى نوع جديد من اللوبوتومي ولكن بثوب جديد عصري .
*اللوبوتومي القديم : فقدان للشخصية والمشاعر وضعف للتفكير - لا يمكن عكس العملية للأبد .
*اللوبوتومي الحديث : تبلد للمشاعر - فقدان للتلذذ - لا يمكن عكس العملية بعد الحقن ولكن بعد انتهاء فترة الحقنة يمكن التوقف عن الدواء وعكس العملية .
العمليتان غير متساويتان بالطبع والنوع القديم أصعب بكثير ، ولكن يمكنك القول أنهما يتبعان مبدأ إسكات الأعراض دون علاج السبب الحقيقي .