لم يعد التشتت المعرفي مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح من أبرز أمراض عصر الإفراط المعلوماتي. نحن نعيش في زمن تتدفق فيه المعرفة بلا توقف، حتى تحوّل الهاتف إلى بوابة مفتوحة لا تهدأ، وكل نقرة تقود إلى عالم جديد. المشكلة ليست في كثرة المعلومات، بل في تعدد الاتجاهات التي تجرّ الإنسان من مهارة إلى أخرى دون أن يقطع طريقًا كاملًا في أي منها. يبدأ أحدهم تعلم البرمجة، ثم يلمح فيديو عن الجرافيك، فيقفز إليه، ثم يلمح آخر عن التسويق، فيترك هذا وذاك، وفي النهاية يجد نفسه مبتدئًا في كل شيء، محترفًا في لا شيء. هذا التشتت لا يعني ضعفًا في القدرات، بل هو إهدار للتركيز وتوزيع للجهد على مسارات كثيرة لا تكتمل. الحل ليس في مقاومة المعرفة، بل في تنظيمها: اختر مهارة واحدة، التزم بها، أعطها وقتك وتركيزك، وأغلق الأبواب الجانبية التي تسرقك من هدفك. تعلّم بالتوالي لا بالتوازي، فالعقل لا يبني ناطحة سحاب وهو مشتت بين ألف مشروع. في عالم مزدحم بالخيارات، يصبح التركيز هو أعظم مهارة.