القبول بالواقع… لا يعني الموافقة عليه

  • yrateb
القبول بالواقع هو خطوة وعي، وليس علامة استسلام. هو أن ترى الأمور كما هي دون إنكار أو تهويل، لكن دون أن تمنحها حق التحكم في مستقبلك أو تشكيل حدودك. القبول لا يعني الرضا، بل يعني أنك تدرك المشكلة وتفهمها وتتعامل معها بعقلانية بدل الهروب منها. كثيرون يخلطون بين القبول والموافقة، بينما الحقيقة أن القبول هو بداية التغيير، لا نهايته. عندما نقبل الواقع، نكفّ عن مقاومة ما لا يمكن تغييره، ونبدأ في التركيز على ما يمكن إصلاحه. القبول هو اعتراف… أما الموافقة فهي استسلام، وبينهما مسافة يصنع فيها الإنسان مستقبله.

مفهوم بؤس العقول (Mind Misery) يشير إلى الحالة التي يُدخل فيها الإنسان نفسه في سجن من الأفكار السلبية والقيود الوهمية داخل عقله، ويُعد هذا السجن من أصعب السجون التي يمكن للإنسان الهروب والتحرر منها لأنه يقع بالكامل داخل جمجمته.

يقوم الإنسان بسجن نفسه داخل جمجمته والدخول في حالة "بؤس العقول" عبر عدة طرق وممارسات فكرية خاطئة، أبرزها:

التركيز على السلبيات ولعب دور الضحية يقوم الشخص بتسويد الدنيا والتركيز على الأمثلة المبالغ فيها لتبرير فشله أو عجزه، مثل التذمر من أن علبة حلوى يبلغ ثمنها 39 ألف جنيه أو أن ليلة في الساحل تكلف 80 ألف جنيه، ويتخذ من هذه الاستثناءات مبرراً للعيش في كآبة و"مظلومية قدرية"، متجاهلاً وجود بدائل كثيرة تناسب إمكانياته المادية.

البحث عن "الأفضل" بدلاً من "الأنسب" من أهم أسباب سجن العقول هو سعي الإنسان دائماً وراء الخيار "الأفضل" المطلق (سواء في الزواج، أو السكن، أو العمل) بدلاً من اختيار "الأنسب" لقدراته وظروفه الحقيقية. هذا السعي يجعله يرفض المتاح ويضع شروطاً تعجيزية تجعل حياته سلسلة من الإحباطات.

الخلط بين "القبول" و"الموافقة" يسجن الإنسان نفسه عندما يرفض التعامل مع الواقع المتاح بحجة أنه واقع غير عادل أو لا يعجبه.

القبول بالواقع لا يعني الموافقة عليه أو الرضا بظلمه، بل هو درجة من الوعي والنضوج والإدراك لكيفية سير الأمور للتعامل معها بواقعية، بينما رفض الواقع يجعلك تحارب طواحين الهواء وتظل حبيساً داخل أفكارك.

تضخيم المظاهر والبحث عن التقدير الاجتماعي ربط الاحتياجات الأساسية (مثل الزواج) بالمنظرة الاجتماعية المعقدة والبحث عن "التقدير" من الآخرين. يخلق هذا النوع من التفكير عقبات وهمية، كاشتراط التملك أو مستوى معين من التجهيزات بدلاً من البدء بحياة بسيطة في شقة إيجار صغيرة كما كان يفعل الكثيرون في الماضي.

ترديد عبارة "ما ينفعش" واختلاق العراقيل وضع شروط وقواعد مجتمعية لا أساس لها من الصحة، وافتراض الفشل المسبق في أي خطوة، مما يعطل الإنسان عن اتخاذ قرارات تناسبه خوفاً من ألا "تليق" بمقامه أو بوضعه الاجتماعي.

أول خطوات التحرر من هذا السجن القاسي هي التحرر من هذه الأفكار الخاطئة والتعامل مع الحياة بواقعية ومرونة، وتجنب تعقيد الأمور التي هي بطبيعتها صعبة، مع إدراك أن العمر والوقت يمضيان في اتجاه واحد ولا يعودان.
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعجبني كلامك ورؤيتك للأمور كثيرًا أ. ياسر، وربما مثال تذمر البعض من أن ثمن علبة حلوى هو 39 ألفًا هو أكثر مثال يُبين ويوضح تلك العقلية التي تتجاهل كل الأشياء الجيدة والتي في المتناول في الحياة وتركز على السلبيات، وليس أي سلبيات بل سلبيات قد تكون لا علاقة لهم بها من الأساس، فربما أحد هؤلاء لم يشتري في حياته مثلًا تلك العلبة من الحلوى ولم يجربها لنقول سيفتقدها أو أنه انتقل من مستوى اجتماعي لآخر، لكنه اختار شيئًا بعيد المنال لم يكن يومًا جزءًا من حياته ليشعر بالنقص والحرمان، مثلهم مثل من يجلس كل دقيقة يتابع أسعار الذهب ويبدأ بتسويد عيشته وعيشتنا ويتوقع كل سيء عندما يزداد السعر ولو بضع جنيهات.

أعتقد أن هذا يكون شعور داخلي وهؤلاء في العادة يبحثون عن سبب فقط لإخراجه.

تعليقك ذكي وذكرني بالضجه الشديدة التي حدثت علي اسعار الرحلات السياحية للساحل الشمالي ، بينما هناك اماكن جميلة وجيدة فعلا بعشرة في المائة من السعر ومتاحه لعدد أكبر من الناس اصلا وربما بعض تلك الاماكن اجمل

قبول الواقع كما ذكرت يحتاج إلى أن يكون الشخص واقعي ومرن وليس أبداً أن يشترط ان يكون موافقاً على ما يحدث، فالصراع الحقيقي يكون فيما بعد القبول لحظة التأقلم والتكيف مع هذا الواقع وأخذ خطوات فعلية، ولكن مع الأسف عقولنا تبرمجت من كثرة ما نراه ونسمعه ونعيشه أن عدم القبول والتمرد على الواقع مريح وآمن، لأن لحظة القبول نفسها تفرض عليك مسئولية التحرك وأخذ خطوات فعلية للتغيير وتلك الخطوة تحتاج إلى جرأة قد لا تتوفر عند الكثيرين.

أعتقد اننا جميعا نحتاج الى تغيير عقلياتنا وأن نتقبل الواقع كما هو خصوصا مع الأحداث التي تحصل في العالم كله وبالتالي إذا توقفنا وعرقلنا أنفسنا من خلال انتظار وقت تكون فيه كل الظروف مثالية ربما لن يأتي أبدا، وهذا لا ينفي أن هناك مشاكل وتحديات تواجه الجميع لكن ان نتقدم بخطوات بطيئة أفضل من التوقف في مكاننا بدون حركة

يحتاج تطبيق تلك النصائح للقتال والاستقلال الفكري ، فالمجتمع لن يتوقف ابدا عن وضع القواعد والمسارات والضغط بوحشية لاتباعها .