​عن الهروب

يظن المرء أحياناً أن المسافات قادرة على غسل الخطايا وأن تذكرة سفر لمدينة بعيدة أو الانتقال لبيت جديد كفيلٌ بأن يضع حداً لماضٍ يطارده نهرب من وجوهٍ خذلناها ومن ديونٍ أثقلت كواهلنا ومن وعودٍ قطعناها في لحظة صدق ثم نكثنا بها في لحظة ضعف.

​لكن الحقيقة القاسية التي نكتشفها متأخرين هي أن الهروب من المسؤولية ليس مخرج طوارئ بل هو زنزانة دائرية نركض فيها لنعود دائماً إلى نقطة الصفر لقد جربتُ مرارة هذا الهروب حين تترك خلفك إنساناً كان يرى فيك أمانه أو حين تُغلق هاتفك في وجه مطالبٍ بحقه تظن أنك نجوت بينما أنت في الحقيقة تغرق في وحل الخجل من نفسك.

​إن أصعب أنواع السجون ليست تلك التي يحيطها السجان بالقضبان بل هي تلك التي نبنيها بداخلنا حين نتجاوز حدودنا مع الخالق ومع العباد في عتمة الليل لا يهم كم ابتعدت بجسدك فصوت الضمير يظل يهمس بذات الكلمات التي حاولت نسيانها، محولاً رحلة الاستجمام المفترضة إلى رحلة من الجلد الذاتي.

هذا هو أطول ما كتبت

​اليوم لا أكتب لأبرر بل أكتب لأواجه أكتب لأفرغ هذه المشاعر في ورقٍ لعله يكون شاهداً على رغبتي الصادقة في التغيير. فالإنسان لا يبدأ بالشفاء إلا حين يتوقف عن الهرب ويقرر أن يلتفت للخلف، لا ليعود بل ليصلح ما انكسر ويقول نعم أخطأتُ والآن سأبني نفسي من جديد

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أقدر دوما المواجهة التي تحدث بيني وبين نفسي من وقت للآخر، وأن تكون مواجهة صادقة تحاسبني أول بأول لأتوقف وأغير ما يمكنني تغييره، وجيد أنك أدركت ذلك ونويت التغيير، رغم أني أرى أن الهروب من المسؤولية مختلف عن الهروب من الماضي الذي يؤلمنا، فالهروب مسؤولية إخفاق وتقصير ، لكن تغيير المكان أو الهروب لنسيان ماض مؤلم قد يكون أحد الخطوات المفيدة لنا

من الصعب أن تنصح أحدهم بأن المواجهة هي الحل .. لأن النصيحة هنا لا تُسمع إلا عندما يكون صاحبها قد ذاق مرارة الهروب بنفسه. واللافت في كلماتك أنك لم تكتب من موقع الواعظ .. بل من موقع من اكتشف السر بجلده. هذه نقطة نادرة وصادقة تحسب لك.

أن تصل إلى قناعة أن المواجهة هي الطريق .. حتى ولو نظرياً .. فهذا نصف المسافة. كثيرون يظلون يدورون في “الزنزانة الدائرية” دون أن يسمّوها باسمها أصلاً. أنت سميتها .. وهذا وعي لا يستهان به.

تبقى النصف الثاني .. وهو الأصعب والأجمل في آنٍ معاً:

1. حوّل الشعور إلى قائمة واضحة

  لا تترك “الذنب” فكرة ضبابية. اكتب تحديداً: من خذلت؟ ما الدين؟ ما الوعد الذي نُكث؟ المواجهة تبدأ بالتحديد .. لأن الضباب يخيف أكثر من الحقيقة.

2. ابدأ بالأخف وزناً

  ليس من الحكمة أن تقتحم أصعب مواجهة أولاً. اختر خطوة صغيرة قابلة للتنفيذ: رسالة اعتذار .. مكالمة قصيرة .. ترتيب خطة سداد ولو بمبلغ رمزي. الفعل الصغير يكسر هيبة الخوف.

3. افصل بين الاعتذار وتبرير الذات

  الاعتراف الصادق لا يحتاج شروحاً طويلة. “أخطأت” كلمة ثقيلة لكنها مريحة. لا تشرح ضعفك بقدر ما تعترف به.

4. ضع خطة زمنية لا نوايا عامة

  “سأصلح ما انكسر” جميلة أدبياً .. لكنها تحتاج تاريخاً محدداً وخطوات محددة. متى؟ كيف؟ بكم؟ مع من؟ المواجهة بلا خطة قد تعود مجرد جلد ذات.

5. تقبّل أن بعض الجسور لن تعود كما كانت

  المواجهة لا تضمن استعادة كل شيء. أحياناً هي فقط تضمن أن تنام بضمير أهدأ. وهذا بحد ذاته شفاء.

أعجبني أنك لم تكتب لتتجمل .. بل لتتعافى. والشفاء كما قلت لا يبدأ إلا حين نتوقف عن الركض. يبدو أنك توقفت فعلاً… بقي أن تخطو. وأنا واثق أن من يملك هذا القدر من الصراحة مع نفسه .. يملك الشجاعة ليكمل الطريق 🌿

الهروب لن يفيد لأننا لن نستطيع الهرب حقًا والفكرة تسكن رأسنا والتأنيب يسكن صدورنا، والأفضل من الهرب هو محاولة إيجاد حل لما نهرب منه فننهي الأمر ونرتاح بدلًا من ترك الأمور عالقة ونظل نتعذب نحن ومن هم طرف في الموضوع.

أحيانًا تكون المواجهة مخيفة أو مؤلمة لكن لابد منها إذا أردنا الراحة.

انت شجاع جدا ولا تخجل من المواجهة وأرى أهم شيء قبل المواجهة هو التوقف عند سبب هروبك بالضبط. هل هربت لأنك لا تستطيع سداد ما عليك من ديون أو التزامات؟ أم لأنك لا ترغب في المواجهة رغم قدرتك على ذلك؟ معرفة السبب يساعدك على وضع خطوات مواجهة مناسبة لك. فمثلاً إذا كان الهروب بسبب عدم القدرة على السداد، يمكنك البدء بخطة صغيرة لإعادة ترتيب التزاماتك. أما إذا كان الهروب بسبب النفور أو الرغبة في عدم المواجهة بشكل غير مسئول فالخطوة الأولى هي مواجهة مشاعرك ومخاوفك قبل أي تصرف خارجي.

عندما هربت ظننت اني في رحلة استجمام 🙃