الموسيقى مرض

​قبل حوالي ثلاث أو أربع سنوات اكتشفتُ أن الموسيقى كانت أكبر مصيبة في حياتي فهي بمثابة المدخل لكثير من الأمور كانت الموسيقى تمنحني أحلاماً ليست لي وتعطيني أحزاناً لا تخصني وتوهمني بواقع ليس واقعي هذا الانفصال عن الواقع كان السبب الرئيسي في فشلي في مواجهة تحدياتي حيث كانت الموسيقى هي الثغرة التي تسللت منها الكثير من الانتكاسات

​منذ ذلك الاكتشاف قررتُ التوقف عن الاستماع إليها وبالفعل اتخذتُ هذا القرار رغم غياب

خطة بديلة تمكنتُ من الصمود لأشهر وفعلاً بدأتُ أشعر ببعض السلام الداخلي، وشرعتُ في التفكير بما هو أكثر نفعاً وجدوى

​ولكن للأسف وجد الفراغ طريقه إليّ مجدداً بعد مدة؛ فانزلقتُ إلى مشاهدة وقراءة الروايات بشكل مبالغ فيه وعندما انتبهتُ لهذه الحفرة التي وقعتُ فيها، تملكني الحزن والإحباط فعدتُ للاستماع للموسيقى من جديد حقاً الموسيقى مـرض.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مريت بنفس شعورك بعد كل مرة أنتهي من قرائه رواية عشت فيها فترة. الروايات أيضًا تجعلنا نعيش أحلام غير واقعية جرّب تستبدل جزء من الوقت بشيء يفيدك فعلاً مثل قراءة كتب توسّع وعيك في مجال تحبه أو تعلّم لغة جديدة أو اكتساب مهارة عملية أو حتى تمارس الرياضة. هذه الأمور تشغل وقتك وتعطيك إحساس بالإنجاز وتبعدك عن الوهم. حدّد وقت قليل للترفيه واجعل معظم وقتك لما يفيدك ويطوّرك.

المشكلة إننا بنلجأ للموسيقى لأننا بنشوف فيها نسخة من نفسنا مش عارفين نعيشها، فبنستسلم للحالة دي لحد ما نلاقي نفسنا بنعيش واقع مختلف تماما ملوش علاقة بحياتنا، وساعتها بيتحول الهروب ده لمرض بياكل من مجهودنا وطاقتنا .

طرحك صادق، وفيه تجربة إنسانية تستحق التأمل لا الرفض أو السخرية. لكن ربما المشكلة ليست في الموسيقى ذاتها، بل في **طريقة علاقتنا نحن بها**.

الموسيقى — في رأيي — ليست فقط ما يخرج من الإذاعة أو التلفاز أو سماعات الهاتف. الموسيقى أوسع من ذلك بكثير؛ إنها موجودة في الكون كله: في إيقاع المطر، في تتابع الأنفاس، في صمت الليل، وفي حركة الحياة نفسها. وكلما هدأ العقل وسكن الضجيج الداخلي، أصبح الإنسان قادراً على سماع **موسيقى الحياة** التي كانت موجودة دائماً لكنه لم ينتبه لها.

ما نسميه اليوم موسيقى أو غناء هو في الغالب محاولة بشرية لإعادة إنتاج ذلك الانسجام الكوني… محاولة تقليد، أحياناً جميلة وأحياناً أقل جودة، لكنها تبقى انعكاساً لا الأصل.

لهذا أظن أن الحل ليس دائماً في الانسحاب أو القطع التام، بل في **الارتقاء بالذوق والاتجاه للأعلى**. فهناك فرق شاسع بين ما يرفع الروح وما يستهلكها. حين تستمع مثلاً إلى ابتهالات سيد النقشبندي مثل “أكاد من فرط الجمال أذوب”، تشعر أنك تصعد داخلياً، بينما لون غنائي تجاري — مهما كان ناجحاً — مثل أعمال عمرو دياب يخاطب طبقة مختلفة تماماً من النفس. المسألة هنا ليست حلال/حرام بقدر ما هي: هل هذا الصوت يوسّع وعيك أم يضيّقه؟

ومن أجمل من تناول معنى الفن والموسيقى بروح عميقة المفكر السوداني الشهيد محمود محمد طه في حديثه عن “الإسلام والفنون”، حيث يرى أن الجمال ليس نقيض الروح بل أحد طرقها نحو الصفاء.

ربما ما حدث معك ليس أن الموسيقى مرض، بل أن الفراغ حين لا يُملأ بمعنى أعلى يبحث عن أي بديل — موسيقى، روايات، أو أي هروب آخر. المشكلة ليست الأداة، بل الاتجاه.

بدل أن نهرب من الصوت… قد نحتاج أن نتعلم **كيف نصغي**.

الأمر لا علاقة له بالموسيقى أو غيره بل بمدى قابلية تأثير الأشياء عليك وتعلقك بها، الإنسان بطبعه وخاصة إذا كان لديه خيال خصب فكل الأشياء قد تصب في ذاكرته، ويسقطها على نفسه فيعيش مشاعر ليست له من الأساس، ويواجه صراعات لا تخصه، الفكرة فقط في محاولة فصل أن هذا الشيء وهذا الألم لا يخصك، أنت فقط تشاهده، أو تسمعه أو تتخيله، قد يمس أجزاء منك وهذا طبيعي ومنطقي فكلما كان تأثيره أكبر عليك كلما نجح الكاتب أو المغني أو الممثل في إيصال فنه إليك، وتعلقت به أكثر، الأمر معقد ولكنه بحاجه قصوي للفصل حتى لا تجد نفسك تدور في دائرة مفرغة تنسي حياتك الواقعية وتعيش في خيال وآلام لا تخصك أصلاً.