الصحة النفسية تحولت إلى خدمة فاخرة

مع زيادة الوعي بالصحة النفسية، وجدنا أنفسنا أمام ترند عالمي، لكنه منحدر من نوع خاص، فالاهتمام بالنفس ضرورة أخلاقية، لكن الواقع يقول أنها ضرورة لمن يملك ثمنها.

فنجد أننا نعيش مفارقة غريبة وظالمة، الأشخاص الذين تسحقهم الحياة يومياً وبحاجه حقاً لهذه الخدمة، يواجهون أبواباً مغلقة وطوابير انتظار طويلة في مرافق حكومية تقدم خدمة رديئة مقابل عدة دقائق صغيرة، وعلى الجانب الآخر نجد عيادات خارجية فاخرة تظل فارغة لساعات، لأن المعالج يكتفي بحالة أو حالتين طوال اليوم مقابل مبالغ باهظة للجلسة الواحدة تفوق قدرة الموظف العادي.

لقد تحولت المعاناة الإنسانية إلى سلعة فاخرة بامتياز، بالطبع لا أحد ينكر حق الجميع في التوازن النفسي، ولكن هل لأن الأمر أصبح ترند وموضة صار الوصول إلى كرسي المعالج صعباً لهذه الدرجة؟

فالحقيقة المرة التي لا نريد مواجهتها هي أن الصحة النفسية في مجتمعنا بدأت تفقد معناها الإنساني للتتحول إلى امتياز طبقي بحت، فإذا كنت لا تملك المال فعليك أن تعاني بصمت وتعتمد على نفسك في العلاج وهذه الخطوة تحتاج إلى وعي كبير ومجهود أكبر، أو تنتظر دوراً قد لا يأتي أبداً، وكأن السلام النفسي مكافأة لمن استطاع إليها سبيلاً.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تخيلي ان حاجة اساسية للفرد تحولت إلى "منتج فاخر"، مما أدى إلى خلق طبقية واضحة في السلام الداخلي، حيث يحصل المقتدر على رعاية متميزة وفورية، بينما يغرق الآخرون في قوائم انتظار المؤسسات الحكومية المنهكة، أو يضطرون لمواجهة معاناتهم بصمت.

هذا التحول يفرض علينا تساؤلاً أخلاقياً هل فقدنا البعد الإنساني في مهنة الطب؟ إن "ترند" الصحة النفسية لا يجب أن يكون غطاءً لرفع الأسعار بشكل يعجز عنه الموظف العادي، بل يجب أن يكون دافعاً للمؤسسات والمجتمع لتوفير بدائل ميسورة وشاملة. فالسلام النفسي ليس "مكافأة" لمن يملك المال، بل هو حجر الزاوية لبناء مجتمع سوي ومنتج.

شكراً لكِ على تسليط الضوء على هذه الحقيقة المرة التي تتطلب تكاتفاً مجتمعياً لإعادة الاعتبار لحق الجميع في التوازن النفسي.

أتمنى بالفعل أن يكون هناك مساواة لهذا الحق، وأن تُصبح الأسعار هينة قليلاً، فالجميع يُعاني حقاً وبحاجه لمن يسمعه، ويُرشده.

توجد اسعار متفاوتة و جلسات عن بعد عن طريق عدة تطبيقات اونلاين مثل 7 cups و غيرهم من التطبيقات المعنية بالجلسات النفسية و يوجد منهم مجاني.

لقد جربت بالفعل عدة جلسات اون لاين لكن شتان الفرق بينها وبين التي في عيادة.

ماهي الفروق الاساسية التي تشكل الفرق الجذري بينهما؟

في الجلسات الأون لاين سواء فيديو أو صوت، لا تستطيعين أن تعبري عن مشاعرك ونفسك بنفس الكيفية، إذا كنتِ مثلا تعانين من بعض الأمراض النفسية كالإكتئاب الحاد فصدقيني جلسات الأوني لاين في هذه الحالة مجرد هراء، لأنك قد تخدعين المعالج سواء بإرادتك الحرة أو بدون تحكم منكِ، أو إذا كنتِ تعانين من فرط الحركة وتشتت الإنتباه سيضيع وقت الجلسة بالكامل وانتِ غير منتبهة دون استفادة تُذكر، مهما كان المعالج ممتاز.

الجلسات العيادية تكون أفضل لأن المعالج يستطيع أن يرى إرتباكك بالكامل نظاراتك طريقة تغيير معالم وجهك، استجابتك لكلامه،

لكن جلسات الأون لاين قد تكون مفيدة إذا أردتي إستشارة سريعة أو الاستفسار عن شيء ما أو المتابعة مع المعالج ولكن بحالات غير تلك التي ذكرتها.

شكرا لتوضيحك غيرتي مفهومي جدا عن الجلسات عن بعد!

مع احترامي لمساهمتك ولكن لماذا أصلاً الموظف البسيط أو الإنسان العادي يحتاج إلى علاجات نفسية؟! الحقيقة اني كنت أسمع هذا من قبل عن الأثرياء ممن لديهم اضطرابات نفسية رغم ثرائهم اما أن نسمعه من الناس العاديين فهذا بدوره يؤشر على شيئ خطير في المجتمع! ثم إني حقيقة لا أعول كثيراً على دور المعالجييين النفسيين وأرى دورهم مثله مثل دور أصحاب التنمية البشرية إلا ما يعطونه من علاجات تخص كيمياء المخ أو يسدون نقص إفرازات بعينها والتي يمكن أن يعرفها أي طبيب برأيي. أما أني مخطئ؟ ثم أننا لابد أن نعطي أنفسنا فسحة لنعاني الأحدتاث لنحزن لنضطرب ثم لنعود مجددًا كما يحدث مع الجميع أما أن نلجأ إلى طبيب نفسي في كل هشاشة نفسية نمر بها فهذا لا يصح أو يجب أن يكون.

هذا خطير جدا، السبب الحقيقي لانتشار المشاكل في بلادنا وكثره المتعصبين والمتوحدين والمكتئبين هو اننا لا نهتم بالصحة النفسية، لا يمكنك التعافي وحدك اذا كانت مشاكلك نفسية حقيقية نمت داخلك من مرحلة الطفولة او نتجت عن خلل في المفاهيم والتربية، نعم انت تمر بظروف صعبة او مشاعر صعبة وتخرج منها وحدك اما هذه التي تنكبت داخلك وتنعكس في تصرفاتك وتعيش معك انت لا تستطيع الخروج منها واحيانا لا تستطيع رؤيتها او تشخيص اسبابها وهذه هي المشكله، هذا العلم التخلي عنه خطير جدا

وكيف كانت تعيش الناس قبل قرنين من الزمان مثلاً؟! أو ثلاثة قرون؟! علم النفس هذا من الأجدى أنه يسمونه علم الروح وعلاجه النفسي القرآن الكريم و التدبر فيه و العمل به....

لا أحد ينكر أن القرآن والتدبر فيه هو شفاء للروح، ولكن ياصديقي خالد المرض النفسي مثله كباقي أمراض الجسد بحاجه إلى علاج وإهتمام، فعل مثلا عندما تؤلمك أسنانك تأخذ المصحف وتبدأ تتدبر فيه، أم تذهب إلى طبيب الأسنان ليعرف ما المشكلة ويكتب لك علاج مناسب، وتطلب من الله الشفاء، لأنك أخذت بالأسباب؟

نعم ألم الأسنان ألم مادي منعروف مصدره أم الألم النفسي ( إلا ما قد اكتشفنا أسبابه من نقص او ضطرابات في هرمونات معينة مثلاً فعلاجها مادي طبعاً) والإكتئاب و الحزن مثلاً فعلاجه عند خالق الروح التي تتألم...

الاكتئاب ياخالد ليس كالحزن أبداً، الاكتئاب مرض نفسي خطير، وله علاجات دوائية، وعلاج معرفي سلوكي بجانبه، أما الحزن فهي حالة إنسانية كلنا نمر بها وهو أمر صحي، على عكس مرض الاكتئاب.

وبالنسبة للموظف البسيط أو الشخص العادي هو أكثر احتياجا للعلاجات النفسية، من كثرة ما قد يقابله من ضغوطات، فالجميع يُعاني بخوض معارك لا يعلم أحد شيئًا عنها، عوضاً عن مساعدة هؤلاء الأشخاص الذين يُريدون أن يصبحوا أفضل، نتهمهم بأنهم أكثر هشاشة؟ من رأيي هذا ليس عادلاً ابداً

تحليل دقيق وواقعي جداً، فالمفارقة تكمن في أن الصحة النفسية التي يجب أن تكون حقاً إنسانياً بسيطاً كالماء والهواء، صارت تُغلف اليوم بغلاف "الرفاهية" وتُباع لمن يدفع أكثر.

​ما خلق فجوة شعورية خطيرة؛ فالشخص الذي يسحقه العمل ليوفر لقمة العيش، هو الأكثر عرضة للاحتراق النفسي والاكتئاب، ومع ذلك يجد نفسه خارج "خارطة الاهتمام" لأن ظروفه لا تسمح له بشراء "جلسة فضفضة" مدتها ساعة. هذا الوضع دفع الكثيرين للجوء إلى "العلاج الذاتي" عبر القراءة أو المحتوى المجاني على الإنترنت، وهي خطوة رغم نبلها، إلا أنها مجهدة وتتطلب صلابة قد لا يملكها الشخص المنهك أصلاً، وكأن المجتمع يقول له: إذا لم تملك المال، فعليك أن تكون بطلاً وتنقذ نفسك بنفسك.

​الخطورة الحقيقية هي أن يتحول هذا "الترند" إلى مجرد استعراض ثقافي، يرفع شعارات التوعية في الفضاء الرقمي بينما الواقع على الأرض يزداد قسوة وصعوبة. لعل هذا يدعونا للتفكير في كيفية استعادة "إنسانية" العلاج النفسي بعيداً عن منطق الربح والخسارة، فالسلام النفسي لا يجب أن يكون مكافأة للميسورين، بل ركيزة أساسية يحتاجها الجميع للنجاة من ضغوط هذا العصر.

​ما رأيك في المبادرات التطوعية أو المجموعات الداعمة التي يحاول فيها الناس مساعدة بعضهم البعض بعيداً عن التكاليف الباهظة، هل يمكن أن تكون بديلاً حقيقياً أم أنها مجرد مسكنات مؤقتة؟

أتفق معك جداً، ولكن مع الأسف حتى العلاج الذاتي كما ذكرتي، غير أنها مجهدة وتحتاج إلى صلابة، فهي تحتاج إلى وعي أكثر لأن الشخص إذا لم يكن واعي لما يتلاقاه ويفهمه قد يُسيء حالته مع الأسف، وكثير من الأشخاص غير مهنيين بالمرة يصنعون محتوى نفسي باسم لايف كوتش وأغلب معلوماتهم مغلوطة وغير مهنية، ولكن اسلوبهم منمق مع الأسف يجذب الكثير من الأشخاص لإستماعهم.

اما بالنسبة إلى المبادرات التطوعية والمجموعات الداعمة فهي ليست بديلاً أو مسكناً مؤقتاً، هي قد تكون خطوة تكميلية للعلاج النفسي تحت إشراف المعالج او الطبيب النفسي.

فعلا العلاج الذاتي اصبح يباع كأنه طريق سهل، وهو في الواقع مجهد لان الشخص الغير واعي من الممكن بدلا من ان يفهم نفسه يتخبط أكثر، وهذا فعلا خطر حقيقي. والأسوأ إن ساحة المحتوى النفسي اصبحت مليئة باشخاص تتكلم بثقة بدون أساس مهني، فيجذب اشخاص لديهم مشاكل أصلاً وتدخلهم في دوّامة وهم الفهم.

وفي نفس الوقت للاسف الشديد ليس كل الناس عندهم رفاهية العلاج النفسي المنتظم، لا ماديًا ولا اجتماعيًا. المبادرات والمجموعات الداعمة ليست علاج طبعا، لكنها أحيانًا أول مساحة آمنة من الممكن ان يشعر فيها الشخص انه ليس وحيدا، الخطورة انه يجب توعيتهم ايضا انها ليست كافية وانها مجرد عنصر مساعد حتي يستطيعون الوصول للدعم الحقيقي.