أَنَا الَّذِي نَسِيَ، وَغَرَّتْهُ دُنْيَاهُ بِمَا مَلَكَ، فَجَنَىٰ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَهَلَكَ.

يَا لَيْتَنِي مَا كُنْتُ، وَلَا أَتَيْتُ، فَقَدْ جَنَيْتُ عَلَىٰ نَفْسِي، وَكُنْتُ أَنَا السَّبَبَ.

بِعْتُهَا بِوَهْمٍ وَسَرَابٍ اسْمُهُ اللَّذَّةُ، وَحُبُّ الأَنَا، فَجَرَيْتُ خَلْفَ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا يُغْنِي، وَنَسِيتُ مَنْ أَنَا، وَبِعْتُ نَفْسِي، وَلَمْ أُفِقْ إِلَّا بَعْدَ أَنْ ضَاعَ العُمْرُ وَمَرَّ، وَلَمْ أَدْرِ وَلَمْ أَنْتَبِهْ.

شَابَ شَعْرِي، وَانْحَنَىٰ ظَهْرِي، وَفَارَقْتُ الأَحِبَّةَ، وَخَانَتْنِي صِحَّتِي، وَتَفَرَّقَتْ عَنِّي اللُّمَّةُ.

يَا لَيْتَنِي كُنْتُ فَطِنًا، وَعَرَفْتُ حَقِيقَتَهَا مُبَكِّرًا.

اقْتَرَفْتُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي مَا أَثْقَلَ كَاهِلِي، وَهَا أَنَا اليَوْمَ حَزِينٌ، خَائِفٌ مِنْ لِقَاءِ رَبِّي، أَسْتَحِي أَنْ أَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَا عَاصٍ.

سَأَلْتُ أَهْلَ الذِّكْرِ: مَاذَا يَفْعَلُ مَنْ أَسْرَفَ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَضَاعَ عُمْرُهُ؟

فَقَالُوا: اعْمَلْ فِيمَا بَقِيَ بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ، فَرَبُّكَ خَالِقُكَ رَحِيمٌ غَفُورٌ، يَعْفُو وَيَتُوبُ مَا لَمْ تُشْرِكْ بِهِ.

فَقُلْتُ: وَالَّذِي خَلَقَنِي مِنْ عَدَمٍ، مَا عَلِمْتُ لِيَ إِلَهًا غَيْرَهُ، وَلَمْ أُشْرِكْ بِهِ أَحَدًا، وَلَكِنِّي ظَالِمٌ لِنَفْسِي، وَلَمْ أَظْلِمْ أَحَدًا.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عَلَيْهَا أَحْيَا وَعَلَيْهَا أَمُوتُ.

وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَغْفِرَ ذَلَّتِي، فَأَنَا عَبْدٌ عَاصٍ، لَا مَلْجَأَ لِيَ إِلَّا إِلٰهٌ خَالِقٌ.

وَإِنْ شِبْتُ وَغَفَلْتُ، فَرَحْمَتُهُ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي، وَأَرْجُو مِنْهُ قَبُولَ تَوْبَتِي، وَالثَّبَاتَ، وَحُسْنَ الخَاتِمَةِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَمَّا سَلَفَ، عَنْ عَبْدٍ ضَعِيفٍ، أَقَرَّ بِذَنْبِهِ.

فَإِنْ لَمْ تَعْفُ، فَمَنْ يَرْحَمُ؟

وَإِلَىٰ مَنْ يَلْتَجِئُ العَبْدُ؟

المُلْكُ لَكَ، فَمَاذَا أُسَاوِي أَنَا فِي مُلْكِكَ؟

إِنْ عَذَّبْتَنِي فَبِعَدْلِكَ، وَإِنْ سَامَحْتَنِي فَبِفَضْلِكَ.

فَاغْفِرْ لِي، وَاقْبَلْنِي، وَأَنَا رَاضٍ بِمَا تَقْضِي، فَأَنْتَ رَبٌّ عَدْلٌ، لَا تَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ.

غَيْرَ أَنِّي أَطْمَعُ فِي رَحْمَتِكَ وَعَفْوِكَ، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ أَرْحَمُ بِي مِنْ أُمِّي وَأَبِي، وَهُمَا لَا يَرْضَيَانِ لِيَ العَذَابَ، فَكَيْفَ بِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؟

فَوَفِّقْنِي لِعَمَلٍ صَالِحٍ فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِي، حَتَّىٰ أَلْقَاكَ طَاهِرًا مِنْ ذُنُوبِي، رَاضِيًا بِمَا قَدَّرْتَهُ لِي، وَزَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ، وَأَدْخِلْنِي جَنَّتَكَ.

عَبْدٌ، إِنْ لَمْ تَرْحَمْهُ هَلَكَ.