كان مستعدا للقفز من أعلى جبل، لكنه لم يستطع التقدم خطوة واحدة الى ما بعد بوابة المدرسة، فالمتنمر هناك، واقف ينظر اليه متوعدا بألم سيجعله يبيت ليلة أرق مصحوبة بألم في أضلاعه،
قال محدثا نفسه وهو يحدق بالبوابة امامه: "لم لا ألكمه أيضا، هو ليس أكبر بنية مني إن رفعت يدي فقط وسددت اللكمة، سيسقطا مغما عليه... نعم... لن أكون الضحية بعد اليوم، اليوم هو يوم التحرر و الاستقلال"
لكن من يخدع، لم تكن المسألة متعلقة بالشجاعة، او القوة، فلم يمنعه من التقدم والوقوف أمام فتى بمثل عمره ولكمه على وجهه، غير تلك القوة الخفية، الحبل الذي يربطه كلما حاول المقاومة او الرد.
يقيد يديه وقدميه، يسد فمه، يغطي عينه ويهمس بصوت يخدر حواسه " توقف... وسيتوقف، إن قاومت... سيزيد الألم، تذكر يوم حاولت... لا تريد للجحيم ان يتكرر... صحيح؟ "
تراجع خطوة، تلوى الاخرى، يريد الوصول للباب الخلفي لعل الحارس يسمح له بالخروج منه إن استعمل كذبة ما. لكنه توقف، وفكر، ثم قرر العودة،
" انا لست جبانا "... كرر داخله.
_" انت ضعيف"
"من انت لتقرر"
_" حاولت قبلا وفشلت "
"الوضع اليوم مختلف"
_" انسيت الكدمة على وجهك؟ "
" عدوي كان بالغا يومها"
_"مجرد اعذار واهية"
"اخرس"
_"لن تجني سوى الالم "
" على الاقل سيكون بمجهودي"
_"..."
كان امام البوابة يصرخ شاتما "ايها الوغد"
التفت "الوغد" اليه مبتسما، ثم قال، " كان عليك العودة".
التعليقات
لو يعلم المتنمر كم الألم الذي يزرعه في روح ضحيته، وكم يخلّف من خوف وانكسار قد يرافقه لسنوات، لما ابتسم وهو يؤذي، ولما شعر بالقوة وهو في الحقيقة يزرع ضعفًا في نفسه قبل الآخرين.
أتذكر موقفًا حدث لطفلة في فصلي كانت تخاف دخول الصف بسبب تنمر أحد الطلاب، فعملت على خلق بيئة صفية آمنة من خلال جلسات حوارية منتظمة عن احترام الآخرين وأهمية التعايش، بالإضافة إلى مراقبة السلوكيات والتدخل المبكر عند حدوث أي تنمر، ومع الوقت بدأت الطفلة تشعر بالثقة والاطمئنان، وتحسنت علاقتها بزملائها، مما ساعدها على استعادة حضورها بثبات وسعادة الحمد لله.
رغم أن الخوف كان يسيطر عليه إلا أن وقوفه أمام البوابة كان بداية حقيقية للتغيير المتنمر لا يُهزم بالقوة فقط بل ينهزم عندما يفقد قدرته على إخافة الآخر وأول لحظة يكسر فيها الإنسان خوفه لا يعود كما كان المواجهة ليست دائمًا بالعنف أو بالصراخ أحيانًا تكون في أن يرفض الهروب ويواجه حتى لو خسر لأنه في تلك اللحظة يكون قد كسب نفسه
الخوف ليس دائمًا علامة على الضعف، بل أحيانًا يكون وسيلة لفهم أنفسنا بشكل أعمق. التراجع في لحظة معينة لا يعني الهروب، بل قد يكون دليلاً على وعي واختيار صحيح لوقت ومكان أفضل للمواجهة. قوتنا ليست بالصوت العالي أو بالعنف، وإنما بالقدرة على تحويل الخوف إلى طاقة داخلية تمنحنا ثقة بالنفس وشجاعة وصبرًا وتعلمنا قوة المواجهة، وتساعدنا أن نخرج من التجربة أكثر نضجًا وثباتًا وإيجابية.